عمر فروخ

249

تاريخ الأدب العربي

وفي عام 1952 م أخرجت دار المعارف للطباعة والنشر كتاب محمد بن سلّام الجمحي بالعنوان التالي : طبقات فحول الشعراء ، شرحه محمود محمد شاكر . والواقع أنّ في الكتاب أكثر من الشرح : فيه مقدّمة قيّمة وفيه تحقيق وشرح وتعليق . غير أن محمود محمد شاكر يحمل على مقدّمة يوسف هلّ ويقول ( المقدمة 17 ) : « وكل ما جاء به يوسف هلّ لا يكاد يثبت على نقد » . وسبب تحامل محمود شاكر على مقدمة يوسف هل أمران : الأول : إن الأصل الذي اعتمده محمود شاكر غير الأصل الذي اعتمده يوسف هلّ ، ثم هو ثلاثة أضعاف الأصل الثاني ( المقدمة 8 ) . ولعلّ هذا مما يبرّر قول يوسف هلّ من أن زيادات تسرّبت إلى الكتاب . والثاني : قول محمود محمّد شاكر ( المقدمة ، ص 14 ، الحاشية 3 ) : « اعتمدت في نقلي لأقوال هذا المستشرق على صديقي الدكتور عبد الرحمن بدوي ، قرأ الأصل الألمانيّ وأملى عليّ ملخّصا لما جاء فيه . ثم أعاد عليّ صديقي الدكتور أحمد بدوي قراءته ونقل لي فحواه ، فلهما منّي أجزل الثناء والشكر » . إن هذه الطريقة تعين على الكشف عن اتّجاه المؤلّف ، ولكنّها لا تجيز هذه المناقشة المطوّلة والتي غاب فيها عن محمود محمد شاكر غرض يوسف هلّ ، وهو استخراج طريقة التأليف لكتاب هو أقدم كتب تاريخ الأدب التي وصلت إلينا . وليس في قول يوسف هلّ إنكار لنسبة طبقات الشعراء إلى محمد بن سلّام الجمحي . وفي اللغة العربية أمثلة كثيرة من هذا الباب ، فكتاب كليلة ودمنة مثلا مثال واضح على هذا التطوّر في التأليف . ومع ثقتي بعلم الدكتور عبد الرحمن بدوي والدكتور أحمد بدوي وبثقتي بقدرة محمود أحمد شاكر في التحقيق واحترامي لهم جميعا ، فإنني أرى أن لغة يوسف هلّ لا تنصف بالنقل الشّفوي ولا بالتلخيص « 1 » . إن لغته موجزة جدّا تعيا على التلخيص وإن إشاراته كثيرة . وعلى كلّ فمقدّمة محمود شاكر تحتاج إلى عناية ، ولا أستطيع أن أحكم فيها في هذا المكان .

--> ( 1 ) يوسف هل أستاذي تعلمت عليه عامين وصحبته في أثناء أكثر العطل الدراسية ، وهو الذي أشرف على أطروحتي ( باللغة الألمانية ) . ولا أزال أذكر ان ابنته عائشة ( وهي مستشرقة أيضا ) كانت تقول له : لما ذا تلجأ ، يا أبي ، إلى هذا الأسلوب ؟ ( إذ كان يغلب على أسلوبه الألماني عدد من خصائص اللغة اللاتينية ) .