عمر فروخ

160

تاريخ الأدب العربي

فهذا العيش ! لا خيم البوادي . * وهذا العيش ! لا اللبن الحليب . فأين البدو من إيوان كسرى ؟ * وأين من الميادين الزروب ؟ وأما في الدين فكان أبو نواس وطيد الايمان باللّه ، ولكن قليل الاحتفال بما شرع في الدين من عبادات وبما جاء فيه من أوامر ونواه ، ولذلك أتّهم بالزندقة : أيها العاتب في الخمر ، * متى صرت فقيها ؟ لو أطعنا ذا عتاب * لأطعنا اللّه فيها ! - يا من يلوم على صهباء صافية * صر في الجنان ودعني أسكن النارا . وأما في الحياة فكان يتطلّب اللّذّة المادية العاجلة مع الاستهتار : لقد نظر إلى الحياة باستخفاف لأنها فرصة عابرة ، ثم إنه لم يقم للناس ولا لقوانينهم الاجتماعية وزنا : غدوت على اللذات منهتك الستر ؛ * وأفضت بنات السر منّي إلى الجهر . وهان عليّ الناس في ما أريده * بما جئت فاستغنيت عن طلب العذر . رأيت الليالي مرصدات لمدّتي * فبادرت لذّاتي مبادرة الدهر . رضيت من الدنيا بكأس وشادن * تحيّر في تفصيله فطن الفكر . وأبو نواس شاعر على المذهب البغدادي . وهو الشاعر المحدث الذي يمثّل الاتجاه الأدبي في صدر العصر العباسي أصدق تمثيل . ثم هو شاعر مكثر تصرّف في معظم فنون الشعر من مديح وهجاء ورثاء وعتاب وغزل مؤنث ومذكر ، ومن طرد وخمر وزهد . وكان بصيرا باللغة . متين الأسلوب يميل إلى الألفاظ الفصيحة والتركيب السهل الواضح ، وخصوصا في فنونه الوجدانية . وكان يكره الصناعة كرها شديدا . يتمثل اللهو في شعر أبي نواس في ثلاثة أغراض : في الغزل وفي الطرد ( وصف الصيد ) وفي الخمر . أبو نواس شاعر الخمر قال فيها أشعارا لم يقل أحد مثلها . ثم هي أحسن شعره ، ما أجاد في فن إجادته فيها : فقد سبق إلى معان في الخمر لم يأت بها أحد قبله ؛ وأجرى أبو نواس شاعريته في الخمر على سجيّتها فكانت خمرياته من أجل ذلك ، مجلى شخصيته . إنّه شرب الخمر وخبر بنفسه