عمر فروخ
127
تاريخ الأدب العربي
2 - ذروة الشعر المحدث لمّا أوغل العصر العبّاسيّ وقلّ الأدباء الذين كانوا قد ولدوا في العصر الأمويّ وشهدوا منه مدّة يسيرة أو طويلة بدأ الأدب في الشعر والنثر يبتعد عن عمود الشعر وتدخله الخصائص التي سمّيت فيما بعد محدثة : فقدت الكلمات جزالتها والتركيب متانته والأغراض بداوتها ، ولكنّ الأدب اعتاض من ذلك فصاحة الالفاظ ( فيما يتعلّق بالحياة الجديدة ) وسهولة التركيب ( فيما يتّصل بالتعبير عن الحاجات الحضرية ) والعناية في الأغراض بوجوه الحياة الجديدة . إنّنا نحن اليوم أميل إلى هذا الشعر المحدث بأسباب اجتماعية - وذلك أنّ حياتنا الحاضرة أشبه بتلك الحياة التي كان يصفها الشعراء المحدثون ( في أواخر القرن الهجريّ الثاني وأوائل القرن الثالث ) - لا بأسباب تمّت إلى الأدب جملة . إنّ الرّوعة الأدبية الخالصة التي جاءت في الشعر القديم كانت أشدّ تعبيرا عن الشعور الفطريّ في الفرد المتّصل بقومه وبتاريخ قومه الأدنين ؛ وبهذا المعنى كان الأدب القديم أحسن تعبيرا عن معاني الإنسانية الصافية . أمّا الأدب المحدث فنظر صاحبه إلى منازع النفس الشخصية منقطعة عن كلّ شيء إلّا عن وساوسها الآنيّة النابعة في الأكثر من رغباتها الشخصية . ولو لم يكن في الشعراء المحدثين نفر ظلّوا متمسّكين بعمود الشعر العربي ( القديم ) قليلا أو كثيرا ، أو بين الفينة والفينة على الأقلّ ، لغاب الشعر المحدث كلّه من الذاكرة . إنّ معظم الشعراء المحدثين شعراء مكثرون ؛ ومع ذلك فانّ المحفوظ من شعرهم قليل ؛ والمستشهد به من شعرهم أقلّ . لا يستطيع الدارس أن ينكر أثر المنطق في الشعر المحدث وأثر الصناعة وتعدّد الفنون وتشعّب الاغراض ممّا جاءت به الحياة الحضرية ، ولكنّنا نفقد في الشعر المحدث تلك البراءة وذلك الاخلاص وهذا الصدق من تلك