عمر فروخ
79
تاريخ الأدب العربي
ثانيا - الخصائص اللفظية ( أ ) غرابة الألفاظ وجزالتها - إذا قرأنا نحن اليوم بعض الشعر الجاهلي وقعنا في أكثره على « كلمات غريبة » ، أي كلمات غير مألوفة في مخاطباتنا وكتاباتنا في عصرنا هذا . ويجب أن نشير إلى أن هذه الكلمات كانت يومذاك « فصيحة » أي مأنوسة مألوفة ، ذلك لأنّ ممارسة الجاهلي للحياة بين الخيام وعلى الإبل جعلت كل كلمة تتعلق بالخيام والإبل مألوفة عنده . ولكن لما انقطع ما بيننا وبين هذا النوع من الحياة انقطعت الصلة بيننا وبين الكلمات الدالّة عليها وعلى أوجهها وأدواتها وآلاتها - على ما ترى في وصف طرفة للناقة في معلقته مثلا . على أن الكلمة الغريبة قد تكون جميلة في اللفظ نحو رئال ( نعام ) وقد تكون وحشية أو حوشية مستكرهة في اللفظ ، نحو بعاق ( مطر ) . والكلمة الجزلة هي الكلمة الفخمة التي تقع موفعها من الاستعمال . ( ب ) متانة التركيب وبلاغة الأداء - والتركيب في الشعر الجاهلي متين ، أي صحيح يجري على قواعد اللغة العربية ، لا ضعف فيه من تقديم لفظ في غير محله أو تأخير لفظة إلى غير مكانها الذي تقتضيه أساليب العرب ، أو زيادة حشو لا فائدة فيه أو حذف لغير سبب نحوي . وكذلك كانت تراكيبه بليغة ، أي تؤدّي المعاني المقصودة منها في الأحوال المناسبة إما حقيقة وإما مجازا بتشابيه واستعارات وكنايات تفصح عن المعاني وتكسو الافكار قوة وبروزا ، من غير تأثر بعجمة أو لحن عامي . وقد نجد في الشعر الجاهلي بضعة ألفاظ من الجناس والطباق ولكنها كلها غير مقصودة وإنما وقعت هنالك اتفاقا ، ولعل شاعرها لم يفطن إليها . ( ج ) العناية والتنقيح - وبما ان الجاهلي كان يجري في شعره على سجيته وطبعه فإنه لم يتكلف عادة في ما كان ينظمه بل كان يلقيه إلى الناس كما يخطر له ويدور في خياله . ولكن كان هنالك نفر يأخذون شعرهم بالعناية والتنقيح ، وقد سماهم رواة الأدب « عبيد الشعر » لأنهم يتكلفون اصلاحه ( بعد نظمه ) ويشغلون به حواسّهم وخواطرهم . وقد عدوا من هؤلاء النابغة وزهيرا والحطيئة وطفيلا الغنوي . واشتهر من بينهم زهير بقصائده « الحوليات » ، أي التي كان يقضي حولا ( عاما ) كاملا في نظم كل واحدة منها وتنقيحها وعرضها على النقدة ( العمدة 1 : 108 ، 112 ) .