عمر فروخ

67

تاريخ الأدب العربي

ولما جاء المنذر الأكبر ( الثالث ) بن ماء السماء نصب الحرب للغساسنة ، وهم قبائل يمانية أيضا وأبناء عم للمناذرة ومن الذين هجروا اليمن معهم في وقت واحد ، ولكن اتخذوا مقامهم في حوران تحت جناح الروم . ففي عام 544 م سار المنذر الثالث ملك الحيرة لقتال الحارث الأعرج فهزمه ثم أسر ابنه وضحّاه للعزّى « 1 » . وبعد عشر سنوات وقعت الحرب مرة أخرى بين الخصمين في معركة عرفت باسم يوم حليمة ، في جند قاصرين ( قنّسرين ) جنوب حلب فاستطاع الحارث الغساني أن يقبض على خصمه المنذر ويذبحه بيده « 2 » . بعدئذ تولى امارة الحيرة عمرو بن هند ، ابن المنذر الثالث وأشهر المناذرة ، فحكم خمسة عشر عاما حتى قتله عمرو بن كلثوم في حادثة الصلح بين بني بكر وبني تغلب ، عام 569 م ، قبل مولد الرسول بعام واحد . أما آخر المناذرة فكان أبا قابوس النعمان بن المنذر . وأدرك أبو قابوس مع الأيام أن أعمال عديّ بن زيد - وكان عديّ هذا آنذاك كاتبا من قبل الفرس في بلاط الحيرة - انما هي في مصلحة الفرس أكثر مما هي في مصلحة العرب ، بل أكثر مما هي في مصلحة المناذرة أنفسهم فسجنه ثم قتله في السجن . وغضب الفرس لمقتل عديّ فأزالوا إمارة المناذرة وحكموا الحيرة حكما مباشرا ، في مطلع القرن السابع للميلاد . وفي عام 613 م - بعد أن صدع الرسول بالدعوة بثلاثة أعوام - هاجم الفرس الروم في الشام وقضوا أيضا على دولة الغساسنة . في أواسط القرن الخامس للميلاد ضعف عدد من القبائل في نجد منهم بنو أسد وبنو غطفان ( عبس وذبيان ) وكنانة وبكر بن وائل ، فاستطاع حسّان بن تبّع ملك اليمن أن يغزوها ويبسط حكمه عليها . وفي عام 480 م أرسل حسّان رجلا من بني كندة اسمه حجر آكل المرار ليحكم تلك القبائل باسمه . وهكذا نشأت دولة بني كندة في نجد ، وقد كانت أحسن صلة بدولة الغساسنة وعدوة للمناذرة .

--> ( 1 ) كان الجاهليون عموما يعتقدون ان للّه ثلاث بنات : اللات ومناة والعزى ، وان شفاعتهن مقبولة لدى اللّه . ( 2 ) راجع العمدة 1 : 42 .