عمر فروخ

63

تاريخ الأدب العربي

أنها لعرب نصارى ، لم نجد فيها شيئا من ذلك . وكذلك النزاع الذي دار حول الطبيعة الواحدة في عيسى أو الطبيعتين ليس له أثر في آثار هؤلاء ، ولا غرو فان هذا النزاع بيزنطيّ في طبيعته بعيد كل البعد عن العقلية العربية . وعلى كل ، فليس في ما بين أيدينا من النصوص الأدبية إشارة إلى ذلك ، من قرب أو من بعد . وتسرّب النصرانية إلى نفر من العرب لم يكن من الأهمية بحيث يصبح عنصرا من عناصر الحياة الجاهلية . قال بلاشير « 1 » : « ان قبائل جذام وتغلب وعاملة هي مسيحية ، ولكنها مسيحية سطحية . وان السرعة التي اعتنقت بها القبائل المذكورة الاسلام لدلالة على رقّة ايمانهم بالمسيحية . والخلاصة فإنها ( أي المسيحية ) لم تخلق من أجلهم لأنها جهلت بعض جوانب النفسية العربية ، ورأى الكثيرون منهم ( من العرب ) أنها ديانة دخيلة تحمل طابع الغزاة فلقيت مقاومة المغلوبين » . ثم إن جميع الشواهد التي قيل إنها لشعراء نصارى ليس فيها سوى كلام في الزهد وذكر اللّه والموت ، مما ليس خاصا بدين معيّن . حتى عديّ بن زيد الذي كان نصرانيا على القطع لم يتضمّن شعره سوى هذه الأمور العامة التي تعمّ جميع الأديان . فالشيعة النصرانية التي لقيت شيئا من الانتشار بين عدد من الأفراد العرب ، وفي بعض القبائل العربية ، كانت نصرانية بدائية قريبا جدا من التوحيد . وإذا جاز لي أن أتلبّس عقلية مستشرق من المستشرقين ثم أقبل أن يكون القرآن الكريم قد ذكر النصارى ذكرا حسنا تألّفا لهم وجذبا لهم إلى الاسلام ، فإنني أخرج بملاحظتين قيّمتين جدا ، لا أعتقد أن المستشرقين ، في الأصل ، قد قصدوا الوصول اليهما . أما الملاحظة الأولى فهي ان القرآن قد عاتب النصارى الذين يؤمنون بالتثليث والذين ينسبون الألوهية إلى عيسى وأمه مريم . فالذين توجّه القرآن الكريم بالكلام إليهم ، إذن ، لم يقولوا بالتثليث ولا بألوهية المسيح . وأما الملاحظة الثانية فهي أن هؤلاء النصارى الذين جاءوا ليعيشوا في شبه جزيرة العرب كانوا من الذين تحمّلوا اضطهاد الطبقات الحاكمة في بلاد الروم وفي البلاد التي كانت خاضعة للروم - . فلما جاء الاسلام بالمساواة بين جميع أتباعه ، ثم رأى هؤلاء النصارى أن العقيدة التي كانوا يؤمنون بها أقرب إلى الاسلام وبعيدة جدا عن النصرانية التي كانت قد أصبحت

--> ( 1 ) تاريخ الأدب العربي لبلاشير 1 : 69 .