عمر فروخ
589
تاريخ الأدب العربي
أقول ، وقد رجّمت عنه فأسرعت * إليّ بأخبار اليقين محاصله « 1 » : إلى اللّه أشكو - لا إلى الناس - فقده * ولوعة حزن أوجع القلب داخله « 2 » ، وتحقيق رؤيا في المنام رأيتها : * فكان أخي رمحا ترفّض عامله « 3 » . أبى الصبر أنّ العين بعدك لم يزل * يخالط جفنيها قذى لا يزايله « 4 » . وكنت أعير الدمع قبلك من بكى ، * فأنت على من مات بعدك شاغله « 5 » ! فعينيّ - إذ أبكاكما الدهر - فابكيا * لمن نصره قد بان منّا ونائله « 6 » . فما كنت ألفي لامرئ عند موطن * أخا بأخي ، لو كان حيّا أبادله « 7 » . وكنت به أغشى القتال ، فعزّني * عليه من المقدار من لا أقاتله « 8 » . لعمرك ، إنّ الموت منّا لمولع * بمن كان يرجى نفعه ونوافله « 9 » . فما البعد إلّا أنّنا بعد صحبة * كأن لم نبايت وائلا ونقائله « 10 » !
--> ( 1 ) - كان ذئب قد لازم مرعى غنم للشمردل ، وكان لا يزال يفرس منها ( 2 ) رجمت عنه : لما رأيت المنام ( راجع ص 588 ) خطر لي أن يكون تفسيره موت أخي وائل . أسرعت . . . . الخ : صدق ظني ورجمي بالغيب . ( 3 ) اللوعة : الحرقة ( بضم الحاء ) . قد أوجع قلبي داخل الحزن ( الحزن العميق ، الشديد ) . ( 4 ) ترفض عامله : تشقق وتفرق عامله ( العامل : صدر الرمح ، أعلاه ) . ( 5 ) قذى : وسخ يحدث في العين من الرمد ( المرض ) ومن ضعفها بالسهر أو البكاء . لا يزايله : لا يفارقه . - الدليل على عجزي عن الصبر على فقدك أن بكائي عليك دائم . الأصوب : لا يزايلها . ( 6 ) لم يكن لي قبل اليوم حزن يبكيني ، فكان كلما مات أخ لانسان أعرته دمعي يبكي به على أخيه ( كنت أبكي على الآخرين مواساة لأهلهم ) فأصبح حزني عليك يذهب بكل دموعي ( أصبح كل بكائي عليك ) . ( 7 ) . . . نصره ( ظفره في المعارك في الدفاع عنا ) ونائله ( عطاؤه ، تكرمه علينا ) قد بانا « ( ذهبا ، انقطعا بموته ) . ( 8 ) - لو أردت أن أجد أخا آخر بين الأحياء كفؤا لأخي ( في الشجاعة والكرم ) أبادله به ( يكون لي عوضا عن أخي ) لما ألفيت ( لما وجدت ) . ( 9 ) كنت أغشى به القتال : ( أملأ به ميدان المعركة وأسيطر على الخصوم المقاتلين ) ، فعزني عليه ( غلبني عليه ، سلبه مني ) المقدار ( القضاء والقدر الذي لا أستطيع أن أقاتله ) . ( 10 ) مولع : محب ، متعلق . النفع : الفائدة المنتظرة من الشيء . النوافل جمع نافلة : ما يتبرع به الانسان . الموت مولع بأن يأخذ خيارنا . بايته : قضى الليل معه في مكان واحد . قائله : عاوضه ( بادله شيئا بشيء ) . والمقايلة يمكن أن تكون أيضا : القيلولة معا ( النوم بعد الظهر في مكان واحد ) . والملموح من المعنى : كأن لم نعاشره ليلا ولا نهارا . - البعد الحقيقي أن ما بيننا قد انقطع الآن انقطاعا تاما ( من غير أمل بالتقاء في هذه الدنيا ) .