عمر فروخ

49

تاريخ الأدب العربي

والأصل في الأدب كله أن يكون فنا واحدا هو الوصف ، لأن التعبير في حقيقته وصف للأحوال الحسية والأحوال النفسية . ولذلك قال ابن رشيق في العمدة ( 2 : 278 ) : « الشعر الا أقلّه راجع إلى الوصف » . بيد أنه لم يكن ثمت بد من تجزئة هذه التسمية لاتّساع مدلول الوصف مطلقا وشموله كلّ شيء تقريبا ، فنظر النقّاد إلى الموضوعات التي اتسعت اتساعا كبيرا فسمّوا وصف الناس الاحياء مدحا وهجاء ، وسمّوا وصف الأموات رثاء ، وسمّوا وصف النساء خاصة غزلا . ثم إنهم قسموا الكلام في المرأة قسمين ، فما كان منه في وصف أعضائها الظاهرة من حسن وجهها وجمال قدّها ولون شعرها واتساع عينيها أبقوا له اسم الغزل ، وما كان يتناول الشكوى من فراقها والتشوق إلى لقائها واظهار الحب لها سمّوه « نسبيا » ، وان كان نفر من النقّاد ومؤرخي الأدب يجعل الغزل والتّشبيب والنسيب بمعنى واحد « 1 » . وكذلك سمّوا وصف الخمر خمريات ، ووصف الصيد طرديّات ، الخ . . . وبقي الوصف المطلق متعلقا بوصف الطبيعة ومظاهرها كوصف الخيل والليل والبرق والبحر والجنائن والقصور وما إلى ذلك « 2 » .

--> ( 1 ) العمدة 2 : 111 . ( 2 ) للإفرنج تقسيم آخر للفنون الأدبية ، قسموا الأدب قسمين : شعرا ونثرا ، كما فعل العرب . ثم إنهم قسموا الشعر خاصة أربعة أنواع : ( أ ) الشعر الغنائي ، ويقابل عندنا الشعر الوجداني وما جرى مجراه من الغزل والرثاء والهجاء والمدح والوصف والحكمة والزهد . ( ب ) الشعر الملحمي ، ويقابله عندنا الحماسة والفخر . والملحمة عندهم قصة طويلة تصف حربا وتنطوي على حب ، ويشترط أن يكون فيها خوارق وتدخل للآلهة . وتكون الملحمة في العادة شعرا . وعندنا نحن ملحمات ، ولكن لا صلة لها بملاحم الإفرنج . جمع أبو زيد القرشي في « جمهرة أشعار العرب » سبع قصائد سماها الملحمات ، هي للفرزدق وجرير والأخطل وراعي الإبل وسواهم . ويبدو أن هذه التسمية عرفية لا تدل على نوع مخصوص من القصائد . أما ابن خلدون ( المقدمة 330 وما بعدها ) فيطلق لفظ الملاحم على القصائد التي تتعلق بالاحداث التاريخية وبالاخبار عن الغيب ( التنبؤ بالحوادث ) . ( ج ) الشعر المسرحي ( التمثلي ) ، ويتألف من القصص المنظومة شعرا قائما على الحوار لاخراج تلك القصص على المسرح . ولم يكن عند العرب شعر بهذا الوصف قبل أحمد شوقي ( ت 1351 ه 1932 م ) . ( د ) الشعر التعليمي وهو الشعر الذي تنظم فيه فنون العلم والمعارف كالنحو والفقه والتاريخ تسهيلا لحفظها . هذا الفن قديم عرفه اليونان وعرفه العرب منذ العصر العباسي . وأكثر ما يكون الشعر التعليمي عند العرب من بحر الرجز .