عمر فروخ
190
تاريخ الأدب العربي
ويلفت النظر في ديوان جران العود كثرة وصفه للنجوم وصحّة وصفه لها ، قال مثلا ( ديوان 43 - 44 ) : ويمّمن الركاب بنات نعش ، * وفينا « 1 » عن مغاربها ازورار : نجوم يرعوين إلى نجوم * كما فاءت إلى الربع الظؤار « 2 » ! ومن المستغرب جدّا أن يكون في شعره ألفاظ وتراكيب ومدارك تشبه أن تكون اسلامية مثل النشور ، وموعدك الحشر ( ديوان 25 ، 30 ) ، باذن اللّه ( ديوان 57 ) أو كقوله مثلا ( ديوان 46 ) : إذا نادى المنادي بات يبكي * حذار الصبح لو نفع الحذار ، أو كقوله ( ديوان 22 ) : ولمّا رأين الصبح بادر ضوءه * دبيب قطا البطحاء أو هنّ أقطف « 3 » وأدركن أعجازا من الليل « 4 » بعد ما * أقام الصلاة العابد المتحنّف . وما ابن حتى قلن : يا ليت أنّنا * تراب ، وليت الأرض بالناس تخسف ! فكأنّ جران العود ينظر هنا إلى قوله تعالى في سورة النبأ : « وَيَقُولُ الْكافِرُ : يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً » ( 78 : 40 ) وإلى قوله تعالى : « إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ » ( 34 : 9 ، راجع أيضا 28 : 81 ، 29 : 40 ، 76 : 16 ) .
--> ( 1 ) كذا في الأصل . ولعل الصواب « وفيها » . - ان بنات نعش الكبرى ( المعروفة أيضا باسم الدب الأكبر ) من الخسّان ( أي النجوم التي لا تغيب ) ، وهي تدور حول الجدي ( نجم القطب الشمالي ) من الشرق إلى الغرب ، وكلما وصلت بنات نعش الكبرى إلى أقصى مجراها في الغرب وظن الرائي أنها ستغيب وراء الأفق الغربي كسائر النجوم ازورت ( مالت ) عن الغرب راجعة في الدوران نحو الشرق . وهذا المعنى يؤيده البيت التالي . ومعنى الشطر الأول غامض . ( 2 ) يرعوين : يرجعن ، يعدن . فاء : رجع ، انقلب ، عاد . الربع : الفصيل ( الجمل الصغير ) الذي ينتج ( بالبناء للمجهول : يولد ) في أول الربيع . الظؤار جمع ظئر : المرضع ( يتفق في حياة الحيوان أن تعطف ناقتان أو أكثر على ولد واحد يسرعن بين الحين والحين اليه مرة واحدة . وقد شبه الشاعر دوران الخسان حول الجدي ( نجم القطب الشمالي ) بتراكض النوق نحو فصيل واحد ، والتشبيه دقيق جدا وبارع أيضا . ( 3 ) لما رأين أن ضوء الصبح قد بادر ( عجل ، أسرع ) كدبيب القطا ( نوع من الطير ) ، أي قليلا قليلا ، أو هن ( أي القطا ) أقطف ( أقصر خطا ) . - يقصد أن ضوء الصبح كان ينتشر بسرعة . ( 4 ) أعجازا من الليل : الاقسام الأخيرة من الليل .