حسن حسني عبد الوهاب
398
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
حكى زميله أحمد بن عبادة قال : رأيت ابن حارث في مجلس إقراء أحمد بن نصر وهو شعلة ذكاء يتوقّد في المناظرة " وقال ابن أيوب : كان نبيلا ذكيا فطنا متفنا عالما بالفتيا ، حسن القياس في مسائل الكلام " . ولسبب ما فارق الخشني إفريقية وهو في ريعان الشباب وذلك بعد أن عرف في بلده واشتهر بعلم الأخبار وتاريخ الرجال ، فقصد مدينة سبتة 2 بالمغرب الأقصى . قبل سنة 310 ه - فأقام بها مكرما من أهلها ونشر بها علما كثيرا وأقبل عليه طلبتها أيما إقبال حتى أنّه لما عزم على الاجتياز إلى الأندلس منعه سكّانها من مفارقة بلدهم ، ومن آثاره هنالك أنه طلب منه تحقيق قبلة جامع سبتة فوجد فيه تحريفا مخلّا فأصلحه بصفة علمية فامتثلوا لرأيه واتّبعوه وشرّقوا قبلتهم حسبما أشار به . ودخل الخشني بعد ذلك إلى العدوة الأندلسية وتقلّب في كورها وأخذ الحديث عن جماعة من شيوخها واستقرّ آخرا بمدينة قرطبة عاصمة البلاد وقد بلغ خبره ولي عهد الخلافة الأمير العالم الحكم الملقّب بعد بالمستنصر فأولاه في البداية خطة المواريث بمدينة بجانة Pechina بمقربة من المرية وقد نال الخشني حظوة كبيرة عند الحكم خصوصا بعد اعتلائه عرش الأندلس فرقّاه إلى خطة الشورى بقرطبة وهي إذ ذاك من الوظائف النبيلة وقد كلّفه الحكم بوضع مؤلفات في شتى العلوم من تاريخية وأدبية ، قال المؤرخ ابن الفرضي : " وألف لأمير المؤمنين المستنصر باللّه كتبا كثيرة بلغني أنّه ألف له نحو المائة ديوان " ولم يذكر لنا ابن الفرضي - بكل أسف - بعض أسماء تلك الكتب حتى نتعرف محتوياتها من عناوينها . والحقيقة أنّ الخشني لم يكن مؤلفا متقنا فحسب بل كان يجيد عدة صناعات مثل الوراقة والتزويق وتركيب الأصباغ والأدهان وحل الذهب والفضة ، قال ابن الفرضي : " كان محمد بن حارث حكيما يعمل الأدهان ويتصرف في ضروب من الأعمال اللطيفة " أخذ هذه الصناعات في صغره من حذّاق الورّاقين القيروانيين بهذه المعرفة بالفنون الجميلة مما زاد لا محالة في تقريبه من الحكم المستنصر الذي فاق جميع ملوك الأندلس في الاعتناء بالكتب والسعي في جمعها والتأنّق في تحريرها كما هو مبسوط في تاريخ حياته .