حسن حسني عبد الوهاب
381
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
وها هو بعد يحكي لنا كيف ابتدأ يقيد سماعاته العلمية قال : " وقال لي رجل من أصحابي : أراك تلازم هذا المجلس وتسمع فيه العلم ولا تكتب شيئا مما تسمع يكون عندك ما هذا حقيقة طالب العلم ، فقلت له : والدي راغب عن هذا وعن المعونة عليه وما مكّنني من شيء أشتري به الرّق ، فقال لي : أنا أعطيك جلدا تكتبه لنفسك وتكتب لي جلدا عوضا منه ، فرضيت له بذلك وكنت أكتب لنفسي ما شئت وأكتب له في جلوده ما يحب حتى يسر اللّه عزّ وجل لي ما اشتريت به الرق وما قويت به على طلب العلم " . وبلغت عدّة الشيوخ الذين أخذ عنهم مائة وخمسة وعشرين شيخا ، منهم : يحيى بن محمد بن سلام - وهو أقدم شيوخه - وعيسى بن مسكين ويحيى بن عمر والقاضي عبد اللّه بن طالب وسعيد بن الحداد وحمديس القطان وجبلة بن حمود وأحمد الصوّاف وغيرهم من علية علماء تلك الطبقة . ومن مشاهير تلاميذه ابناه الآتيين وعبد اللّه بن أبي زيد ومحمد بن حارث الخشني وأمم لا يحصون . وكانت له أخلاق حميدة وأوصاف جميلة من تواضع وإيثار حتى قال المالكي لمّا ترجمه : كانت أوصافه أوسع من أن يحملها كتاب " وقال غيره : كان أبو العرب إمام عصره دأب في طلب العلم وبرع فيه براعة فاق فيها من تقدمه من رجال إفريقية ، وكان موفقا في التأليف معانا عليه " . وهو - بلا شك - أول من رفع لواء التاريخ في إفريقية وإليه يرجع في تراجم المتقدمين من رجالها وعلمائها ، حكى عن نفسه أنه " كتب بيده ثلاثة آلاف كتاب وخمسمائة كتاب " وكأنه قصد بذلك الأجزاء مثل كتاب الصلاة وكتاب الطهارة من المدونة أو غيرها من الدواوين الفقهية القديمة وليس المقصود بها المجلدات المتداولة الآن بين أيدينا ، فلينتبه . وإذا اعتبرنا أن تلك الكتب - أو الأجزاء على التحقيق - كانت تتألف في غالب الأحيان من عشرين ورقة من الرق الغنمي فيكون مجموع ما كتبه بيده نحوا من سبعين ألف ورقة وهو مقدار لا يستهان به وقلما تأتّى ذلك إلى كبار الكتّاب .