حسن حسني عبد الوهاب

61

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

كان بعد ذلك بيوم أتى الثاني فجلس إلى ابن عبدون وأدار الحديث ثم خرج إلى ذكر المساجدي ، فقال : - قد كان المساجدي لك صديقا ، وكنت إليه محسنا ، ثم كان من أمر كما ما كان ، فتحرّك ابن عبدون وجعل يستقصيه عن حقيقة هذا الخبر ، وذكر أنه لا علم عنده بشيء من ذلك ، فانزوى الرجل عنه وانقبض وحلف له ألّا يخبره إجلالا له وإعظاما ، فلما كان اليوم الثالث أتاه الثالث منهم والرابع فجلسا وتحدّثا ، ثم قال له أحدهما : - ما ينبغي لأحد أن يثق بأحد ، قد كان المساجدي لك وكنت له على أفضل حال ، ثم قد خرج فيك إلى ما خرج ، فقال له ابن عبدون : - قد تكرّر عليّ هذا الخبر من غير إنسان وعلى غير ما لسان ، وما أجد أحدا يخبرني بالحقيقة في ذلك ، فأخبرني أنت بذلك فقد ضجرت من اكتتام الحقيقة عني في ذلك ؛ فقال الرجل : - لا واللّه ! لا أفعل ولا أستهين بك هذه الاستهانة ، فاستجاب الرابع فقال : - لأنك واللّه - لا تحبّ القاضي ولا تنصحه ، إن كنت أنت لا تخبره ، فأنا أخبره ، فقال له ابن عبدون : هات ! - فقال الرجل : - يقول المساجدي إنك خنثى ، وأن لك فرعة كفرعة النساء ، فتلوّن وجه ابن عبدون وصار يحلف ما له فرعة . ثم بلغ الخبر إلى المساجدي فأتى متنصّلا ، فوجد في قلب ابن عبدون من التصديق بما قيل له عنه ما لا يعمل فيه الاعتذار ولا يمحوه التنصّل ، فأبعده وأقصاه عن نفسه " . وعقّب الخشني الراوي لهذه الحكاية بكلمة قال فيها : " ولعمري إن هذه الإدارة للطيفة من الفكر وعجيبة من الحيل ، ولو قرع بمثلها أدهى الناس ما خلص منها ، نستعيذ باللّه من حيل الماكرين ، ومن إفك الكاذبين " . سقنا هذه الفكاهة على طولها وغرابتها ليستبين القارئ من خلالها أن المساجد الكبيرة في الإسلام - لا سيما في عصره الأول - كانت للصلاة في أوقاتها كما كانت دورا لاجتماع الشعب ، ومحلا للدراسة ، وملتقى للعلماء والقصّاص ، وملجأ للغرباء ، وكذا لذوي البطالة والفراغ . وقد ذكّرتني هذه النادرة ما حصل لأحد صلحاء القيروان الفضلاء وهو إسماعيل بن رباح الجزري ، من علماء القرن الثاني - فقد حكى عنه محمد بن