حسن حسني عبد الوهاب

37

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

في منتصف القرن الأول للهجرة تمكن العرب من إقامة سلطانهم على البلاد الإفريقية ، ولأول وهلة من فتحهم أنشئوا ( قيروانهم ) فكان لهم في آن واحد مركزا حربيا ، ومحطا لرحالهم وعيالهم ، وقاعدة لبث لسانهم ومبادئ دينهم القويم ، ومن " القيروان " امتد سلطانهم فعمّ المغرب بأجزائه - تونس والجزائر والمغرب الأقصى - ثم عبر إلى العدوة الأوروبية فاستقر في الأندلس من ناحية وانتشر إلى السودان من أخرى فأدخل كامل القارة الإفريقية المعروفة حينئذ في حضيرته . ومن القرن الثاني للهجرة ابتدأت عناية أبناء مدينتي القيروان وتونس بحمل العلم ، فقصدوا موارده بالمشرق كمدينة الرسول ، والكوفة والبصرة ، ثم دمشق وبغداد والفسطاط وملئوا من العرفان وطابهم ، وعادوا بعد حين إلى وطن ولادتهم لبثّ ما لديهم بين أبناء جلدتهم . ونبغ من بين الرعيل الأول أفذاذ مبرزون وصلوا بالعلم التشريعي إلى أقصى درجات البحث والاستنباط والتخريج ، مثل ( علي بن زياد ) تلميذ مالك ودفين تونس و ( أسد ابن الفرات ) صاحب مالك وأبي يوسف ، و ( سحنون بن سعيد ) محدث المدرسة المالكية الإفريقية ، وسواهم كثير . وما كان اشتغال أفراد هذه الحلبة بادئ بدء بالحديث والفقه ( الحقوق ) إلا لمسّ حاجة العالم الإسلامي حين ذاك لتنظيم هيئته الاجتماعية ، وتدبير سياسته الشرعية على أصول نظام الدين . ولما تمهدت وسائل التشريع وأبحاثه ، اتجهت الطبقة التالية إلى العلوم العقلية والرياضية ، ويرجع الفضل في ظهور هذه الحركة الجديدة ، إلى رجلين يجب ذكر اسميهما بكل تقدير واحترام ، أعني : ( إسحاق بن عمران ) الذي أشاع الفلسفة في القيروان ، وفسر غامضها ، كما نشر علم الطب وما يتفرع عنه من فنون الحكمة والصيدلة . والثاني هو الأديب الكبير ، والكاتب البليغ : ( أبو اليسر إبراهيم الشيباني ) حامل لواء الرواية للأدب والترسل العربي .