حسن حسني عبد الوهاب
38
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
وقد ساعد الأمراء الأغالبة على ظهور هذه الحركة العقلية المباركة وعلى نشرها بتأسيس أول جامعة إفريقية للعلم والترجمة وبث المبادئ الرياضية في الأوساط المغربية ، وهي ( بيت الحكمة القيرواني ) الذي ترأسه أبو اليسر الشيباني المقدم ( حدود سنة 265 ه ) . وقد جلب إليها الأغالبة نفائس الكتب من أطراف العالم العربي : من العراق والشام ، ومصر ، كما ألحقوا به بعد ثلة من القسيسين المسيحيين ، استقدموهم من صقلية ، التابعة يومئذ لملكهم ، فانكبّت تلك النخبة على ترجمة مؤلفات يونانية ولا طينية في شتى الموضوعات من فلسفة ، وتاريخ وجغرافية ، وطب ونبات . والمؤكد أن من ضمنها قسما من من مصنف ( بلنيوس الكبير - Pline L'Ancien ) في معنى التاريخ الطبيعي المتعلق بالحيوان والنبات كما أشار إليه الوزّاني المراكشي في تعريفه بأقطار المغرب ، وكانت هذه الترجمات ، تتمّ بمعونة رجال إفريقيين متضلعين في العربية . انتفعت إفريقية التونسية أيما انتفاع بهذا الوعي ، فظهر فيها فلاسفة مجيدون منهم سعيد الحداد ، وأطباء ماهرون من أشهرهم أفراد بيت ( الجزار ) وهم أربعة تداولوا رياسة الصناعة ، ومنهم ( زياد بن خلفون ) و ( أعين بن أعين ) وسواهم . ولا يغيب عنا أن نسوق هنا ما كان لجماعة من أبناء اليهود الإفريقيين من الاشتغال بالأخذ عن علماء بيت الحكمة القيرواني ، ثم تدريسهم به لفنون الفلسفة والطب والفلك والتقويم ، وفي مقدمة هؤلاء الطبيب الطائر الصيت : إسحاق بن سليمان الإسرائيلي ، والطبيب دونش - ويسمى أدنيم بن تميم - المعروف بالشّفلجي ، وموسى بن العزار ، وغيرهم كثير وقد قاموا بوضع أمهات الكتب في الفلسفة ، والطب ، والفلك ، وحوّلها بعضهم بعد ذلك من العربية إلى اللغة العبرية وإلى اللسان اللاطيني . ومن تلاميذ هذا الرعيل عالم إسرائيلي يدعى ( نسيم بن يعقوب القيرواني ) ، فاق أقرانه في علم الهيئة وحركة الكواكب حتى أن الأسئلة كانت ترد عليه من يهود العراق في المشرق ، ومن الأندلس في المغرب ، يستفتونه في توقيت مواسمهم