السيد محسن الأمين
94
أعيان الشيعة ( الملاحق )
في دار الدنيا الا من الله ( ويفهم ) مما مر عن الرسالة الأولى من الهدية السنية الاحتجاج لذلك بان طلب الشفاعة من غير الله في الدنيا مناف لكونه لا يشفع عنده أحد الا باذنه والا لمن ارتضى . والجواب عن شبهتهم هذه انها شبهة سخيفة فطلب الشفاعة ليس عبادة للمطلوب منه وشرك أهل الجاهلية الذي أحل دماءهم وأموالهم لم يكن سببه اتخاذهم الشفعاء كما زعموا وليس في الآيتين المستشهد بهما ان الموجب لشركهم هو تشفعهم ولا ان عبادتهم لهم هي تشفعهم بهم بل الآيتان صريحتان في أن عبادتهم لهم كانت غير التشفع فإنه جعل في الآية الأولى العبادة علة التقريب الذي هو الشفاعة والعلة غير المعلول ببديهة العقول وعطف في الآية الثانية قول هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا على قوله وَيَعْبُدُونَ والعطف يقتضي تغاير المعطوف والمعطوف عليه كما قرر في علم العربية مع أن عبادتهم لهم بغير التشفع من السجود والإهلال بأسمائها وغير ذلك مشاهدة معلومة كما ذكرناه مرارا وقد ذكرنا مرارا ان قوله تعالى : ( الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ الآية . وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية ) صريح في أن عبادتهم لها كانت مع الاعراض عن الله والمخالفة لأمره وقوله ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ إشارة إلى انهم عبدوا أحجارا وأشجارا هي من الجمادات وطلبوا منها النصر والشفاعة ولم يجعل الله لها ذلك ولو كانت على صور قوم صالحين فلا يقاس بها من جعله الله شافعا وقادرا على الشفاعة ولا من تشفع به بمن تشفع بها ويجب على قياس قولهم بمنع يا رسول الله اشفع لي بل يقول اللهم شفعه في أو ارزقني شفاعته ان يمنعوا يا فلان ادع لي بل يقول اللهم أجب دعاءه في أو ارزقني دعاءه لي مع اعترافهم بجوازه ومنعه يشبه الأكل من القفا أي إيصال اللقمة إلى الفم من وراء الرقبة ( أما ) جعل طلب الشفاعة منافيا لكونه لا يشفع عنده أحد الا باذنه فستعرف فساده عند رد هذا الكلام وقد ظهر من ذلك فساد قول ابن عبد الوهاب : ان طلب الشفاعة من الصالحين هو بعينه قول الكفار ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا لما عرفت من صراحة الآيتين في مغايرة العبادة لطلب الشفاعة . وبطلان ما يفهم من قوله انهم يقولون ما دعونا الأصنام وتوجهنا إليهم الا لطلب القرب والشفاعة ( وقوله ) لكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله يقولون نريد منه القرب إلى الله وشفاعتهم عنده الدال على أن سبب الشرك طلب الشفاعة لما عرفت من صراحة القرآن ودلالة الوجدان على خلافة ( وبطلان ) قوله ومنهم من يدعو الملائكة ليشفعوا له أو صالحا كاللات أو نبيا كعيسى ( وقوله ) ومنهم من يدعو الصالحين والأولياء لما عرفت في الباب الثاني من أن دعاء الملائكة لم يكن بطلب شفاعتهم بل عبادتهم بغير ذلك وقول انهم بنات الله ودعاء اللات لم يكن بالتشفع به لأنه رجل صالح بل بعبادة حجر على صورته الموهومة بالسجود وغيره والتشفع بذلك الحجر الذي لم يجعل الله له شفاعة . ولو كان على صورة صالح مزعومة ودعاء عيسى ( ع ) لم يكن مجرد التشفع به بل اعتقاد انه هو الله الخالق الرازق بأحد الوجوه التي سبق بيانها وأي جهل أعظم من جعل الإشراك بعيسى مجرد التشفع به وهل يمكن صدوره من عاقل فضلا عن عالم ( وقوله ) ان قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم هو الذي أحل دماءهم وأموالهم قد عرفت انه كذب وافتراء وان الذي أحل ذلك تكذيبهم للرسل وانكارهم للشرائع وعبادتهم للأوثان بغير مجرد التشفع وكذلك جعله طلب الشفاعة مثل شرك 94 جاهلية العرب وان الذين قاتلهم ( ص ) انما أرادوا الجاه والشفاعة . ومما يدل على أن عبادتهم كانت غير طلب الشفاعة ما حكاه الوهابية أنفسهم في الرسالة الثالثة من الهدية السنية « 1 » عن الامام البكري عند قوله تعالى : ( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ الآية ) من قوله : فان قلت إذا أقروا بذلك فكيف عبدوا الأصنام قلت كانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنام عبادة الله والتقرب اليه لكن بطرق مختلفة ففرقة قالت ليس لنا أهلية عبادة الله بلا واسطة لعظمته فعبدناها لتقربنا اليه زلفى وفرقة قالت الملائكة ذوو منزلة عند الله فاتخذنا أصناما على هيئتها لتقربنا اليه زلفى وفرقة قالت جعلنا الأصنام قبلة لنا في العبادة كما أن الكعبة قبلة في عبادته وفرقة اعتقدت ان لكل ملك ( كذا ) شيطانا موكلا بأمر الله فمن عبد الصنم حق عبادته قضى الشيطان حوائجه بأمر الله والا أصابه الشيطان بنكبة بأمر الله انتهى ( والعجب ) ان المستشهد بهذا الكلام من الوهابية قال بعد نقله فانظر إلى كلام هؤلاء الأئمة وتصريحهم بان المشركين ما أرادوا ممن عبدوا الا التقرب إلى الله وطلب شفاعتهم عنده انتهى ولم يدر ان عبادة غير الله لا يحتاج التكفير بها إلى الاستشهاد بكلام أحد سواء كانت بقصد التقرب إلى الله وطلب شفاعتهم أو بدون ذلك ولكن الذي ينفع إثبات ان طلب الشفاعة عبادة أو ان ما يفعله المسلمون هو عين ما كان يفعله عبدة الأصنام والكلام الذي استشهد به صريح بخلافه فليس في المسلمين من يعتقد بواحدة مما كانت تعتقده تلك الفرق هذا في رد زعمهم ان طلب الشفاعة عبادة واما استدلال ابن عبد الوهاب على عدم جواز طلب الشفاعة من غير الله بآية لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً وآية فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً فاستدلال فاسد اما آية لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً فليس معناها ان الله وحده هو الذي يشفع وغيره لا يشفع لأنه تعالى لا يشفع عند أحد وثبت ان الأنبياء والصالحين والملائكة يشفعون عنده وليس معناها انه لا يجوز طلب الشفاعة ممن جعله الله شافعا بل معناها والله العالم ان الله مالك أمرها فلا يشفع عنده أحد الا باذنه ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) ولا يشفع الا لمن ارتضاه الله ( وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ) وصدر الآية هكذا ( أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَ وَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً الآية ) فهو في مقام الرد على الذين اتخذوا الأصنام والأحجار شفعاء إلى الله تعالى وقالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله مع أنهم لا يملكون شيئا فكيف يملكون الشفاعة ولا عقل لهم حتى يشفعوا وفي الكشاف ( مِنْ دُونِ اللَّهِ ) من دون إذنه ( قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً ) اي هو مالكها فلا يستطيع أحد شفاعة الا بشرطين ان يكون المشفوع له مرتضى وان يكون الشفيع مأذونا وهاهنا الشرطان مفقودان جميعا انتهى ( وحكى ) الطبري عن مجاهد ( لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً ) أي لا يشفع أحد الا باذنه انتهى . فحمل ابن عبد الوهاب واتباعه له على أن معناه طلب الشفاعة من الله وحده وعدم طلبها من المخلوق وان كان له ان يشفع حمل مستهجن مستقبح لا يساعد عليه اللفظ ولا فهم أهل العرف ولم يذكره أحد من المفسرين ولا تقتضيه الحكمة ولا يخرج عن التحمل والتحكم والعبث فكان الله تعالى يقول اطلبوا من الناس كل ما يقدرون عليه واطلبوا منهم الدعاء لكم الذي لا
--> ( 1 ) صفحة 58 .