السيد محسن الأمين

95

أعيان الشيعة ( الملاحق )

تخرج الشفاعة بل هي نفسه ولكن لا يجوز لكم ومحظور ومحجور عليكم ان تطلبوا من النبي ( ص ) ان يشفع لكم في الدنيا أو في الآخرة ويدعو الله لكم وان كانت له الشفاعة وقد أعطاه الله إياها وهو الشفيع المشفع وإذا طلبتموها منه فقد كفرتم وأشركتم فانظر أيها المنصف هل يحسن ان يصدر ذلك من عاقل وهل يصدر الا من سفيه جاهل ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . واما آية فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ فستعرف في فصل الدعاء أنها أجنبية عن المقام مع أنه لو صح الاستدلال بها على عدم جواز طلب الشفاعة من العبد لصح الاستدلال بها على عدم جواز طلب الدعاء منه لأن كلا منهما دعاء لغير الله يشمله قوله تعالى : ( فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ) فأي فارق بين قول يا فلان اشفع لي ويا فلان ادع لي وطلب الدعاء من الغير لا ينكره الوهابية ولا قدوتهم ابن تيمية إذا كان من الحي كما ستعرف مع شمول الآية له ( وجاء ) في أحاديث كثيرة صلوا علي فان صلاتكم تبلغني وسيأتي حديث صلوا علي ثم اسألوا الله لي الوسيلة فمن سال الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة . والصلاة منا الدعاء ومنه تعالى الرحمة ورفع الدرجة فقد طلب منا ( ص ) ان ندعو له برفع الدرجة وإعطاء الوسيلة وهو كطلبنا منه الشفاعة بان يدعو الله ان يغفر ذنوبنا ويدخلنا جنته فكيف صار طلبه منا توحيدا وطلبنا منه شركا ونحن أحوج إلى شفاعته ودعائه منه إلى دعائنا فأي فارق بينهما لولا الجمود وقلة الإنصاف . ( أما ) جعل الصنعاني من جملة عبادة المشركين الأصنام اعتقادهم انها تشفع عند الله ومن جملة عبادة الأنبياء والصالحين اعتقاد ذلك والتشفع بهم ففاسد لأن اعتقاد المشركين في الأصنام انها تشفع وطلبهم منها الشفاعة خطا وغلط إذ لم يجعل الله لها شفاعة سواء كانت على صورة صالح أو غيره فان الشافع هو الصالح لا الحجر الذي على صورته كما عرفت بخلاف الاعتقاد بان الأنبياء والصالحين يشفعون فإنه صحيح مطابق للواقع ليس فيه خطا ولا غلط فضلا عن كونه عبادة وشركا وكذلك التشفع بهم على أن الاعتقاد في حجر أو شجر انه يشفع وطلب الشفاعة منه لم يعلم كونه عبادة له انما هو خطا وغلط والمشركون لم يعلم أن هذا سبب في شركهم لأنه لم يصدر منهم وحده بل صدر معه ما هو كاف في الشرك والكفر من انكار الرسل والشرائع والعبادة للأصنام بغير ما ذكر كما بيناه غير مرة وتعليل الصنعاني وغيره كون اتخاذ الشفعاء شركا بأنه لا يشفع عنده أحد الا باذنه فاسد فان قوله الا باذنه مثبت للشفاعة فكيف يكون اتخاذ الشفعاء الذين جعل الله لهم الشفاعة وأذن لهم فيها شركا ( وقوله ) فكيف يثبتون شفعاء لهم لم يأذن الله لهم في شفاعة ولا هم أهل لها رد عليه فاتخاذ الشفيع الذي ذمهم الله عليه هو اتخاذ حجر أو شجر أو صورة شفيعا مع أن الله لم يجعل لها شفاعة ولا هي أهل لها اما الأنبياء الذين أثبت الله لهم الشفاعة التي هي نوع من الدعاء كما عرفت وجعلهم أهلا لها كما تواترت به الأخبار ودل عليه قوله تعالى : ( وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى . مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ . ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ . يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا . وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ . لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ) قال البيضاوي عهدا من الايمان والعمل الصالح أو إذنا فيها انتهى ( لا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ 95 يَعْلَمُونَ ) في تفسير البيضاوي الا من شهد بالحق بالتوحيد والاستثناء متصل ان أريد بالموصول كل ما عبد من دون الله لاندراج الملائكة والمسيح فيه ومنفصل ان خص بالأصنام انتهى فهذه الآيات مثبتة للشفاعة جزما مع أذن الله ورضاه ولسنا نطلب منهم ان يشفعوا لنا قهرا وحتما على الله ومثبتة لشفاعة من اتخذ عند الرحمن عهدا ومن شهد بالحق فلا ذم على طلب الشفاعة منهم ولا شرك فيه . وظهر من ذلك بطلان قول الصنعاني ان الاعتقاد في حي أو ميت انه يقرب إلى الله أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع والتوسل اليه تعالى شركا كالاعتقاد في الأوثان وقوله بمجرد التشفع لا يظهر له معنى ولا للتقييد به فائدة فإنه ان أراد منه انه يشفع بغير أذن الله ويجبر الله على قبول شفاعته فهذا لا يعتقده مسلم ولا يقول به أحد فما فائدة هذا التقييد وكيف رتبوا عليه استحلال دماء المسلمين وأموالهم واعراضهم نعم لا يبعد أن يكون عبدة الأصنام يعتقدون مثل ذلك في أصنامهم وأوثانهم كما بيناه في غير هذا الموضع وان أراد انه يشفع بمجرد التشفع ويشفعه الله لأن الله أذن له إذنا عاما في الشفاعة عندما يتشفع به أحد ووعده قبول شفاعته لكل من يتشفع به فهذا أيضا لا يعتقده أحد من المسلمين وان كان ممكنا وجائزا ان دل عليه النقل وانما يقولون إن الله تعالى جعل النبي ( ص ) شافعا ومشفعا كما دلت عليه صحاح أخبارهم لكن لا بلا قيد ولا شرط فقد يتشفع به أحد ويشفع له وقد لا يشفع له لأنه ليس أهلا للشفاعة أو لأن الله لم يأذن له أن يشفع فيه وقد يأذن له في الشفاعة التي هي نوع من الدعاء رجاء ان يشفع فيشفعه الله وليس ذلك حتميا ولا قطعيا فجعل ذلك كالاعتقاد في الأوثان التي ثبت بصريح العقل ونص الشرع عدم قدرتها على الشفاعة والدعاء وعدم جواز طلبها منها خطا واضح فما فائدة هذا التقييد أبمثل هذا تستحل دماء المسلمين وأموالهم واعراضهم سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم . ومما ذكرنا يعلم أن قولهم في الكتاب إلى شيخ الركب المغربي بعد ذكر آية وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية . فأخبر ان من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم وأشرك بهم تقول على الله وافتراء عليه فالله تعالى في هذه الآية أثبت لهم شيئين عبادتهم الأصنام وقولهم هؤلاء شفعاؤنا وأخبر انهم أشركوا ولم يخبر ان عبادتهم هي طلب الشفاعة ولا ان طلبها هو الشرك بل أخبر بان عبادتهم الأصنام غير قولهم ذلك لاقتضاء العطف المغايرة كما مر وقد أبطلوا في كتابهم المذكور احتجاجهم بآية ( لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً ) بذكرهم معها الآيات الأخر تفسيرا لها وهي ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ . لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ) فبينت ان معنى كون الشفاعة كلها لله انها لا تكون الا باذنه وليس لأحد ان يشفع قهرا عنه وبدون رضاه ويلجئه إلى قبولها حياء أو خوفا أو غير ذلك كما يقع بين المخلوقين لا ان معناها عدم جواز طلب الشفاعة ممن له الشفاعة اما ذكرهم في جملة الآيات المستدل بها على إبطال طلب الشفاعة من غير الله آية فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ فغريب لأن هذه الآية لا ربط لها بطلب الشفاعة وانما تدل على عدم قبول عذر أو توبة بعد الموت من الظالمين ولكن هؤلاء يظنون أن تكثيرهم لسرد الآيات يدل على أنهم شديدو التمسك بالقرآن ( أما قولهم ) وهو سبحانه لا يرضى الا التوحيد بعد ذكر آية يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا فنعم هو والله لا يرضى بنسبة