السيد محسن الأمين
93
أعيان الشيعة ( الملاحق )
للمشفوع له فشفاعة النبي ( ص ) أو غيره عبارة عن دعائه الله تعالى لأجل الغير وطلبه منه غفران الذنب وقضاء الحوائج فالشفاعة نوع من الدعاء والرجاء ( وحكى ) النيسابوري في تفسير قوله تعالى ( مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها ) عن مقاتل أنه قال الشفاعة إلى الله انما هي الدعوة لمسلم لما روي عن النبي ( ص ) من دعاء [ دعا ] لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك فذلك النصيب والدعوة على المسلم بضد ذلك انتهى ( وحينئذ ) فطلب الشفاعة من الغير كطلب الدعاء منه وقد ثبت جواز طلب الدعاء من أي مؤمن كان واعترف بذلك الوهابية وقدوتهم ابن تيمية في طلبه من الحي بل هو من ضروريات دين الإسلام ( وحينئذ ) فيجوز طلب الشفاعة إلى الله تعالى من كل مؤمن فضلا عن الأنبياء والصالحين وفضلا عن سيد المرسلين ( ولو قيل ) ان الشفيع لا بد ان يكون له قدر وجاه عند المشفوع اليه ( فنقول ) ان الله تعالى جعل حرمة لكل مؤمن يرجى بها قبول شفاعته واستجابة دعائه فلم يبق فرق على أنه قد ورد ثبوت الشفاعة لآحاد المؤمنين وللملائكة وانها ليست من خواص الأنبياء وثبتت شفاعة الملائكة بما أخبر الله تعالى عنهم بقوله : ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ إلى قوله وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ . . . وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ الآية ) قال الرازي في تفسيره هذه الآية تدل على حصر الشفاعة من الملائكة للمذنبين كما وقعت الشفاعة من النبي ( ص ) وغيره من الأنبياء وامره الله تعالى بها فقال وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وحكى عن نوح أنه قال رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَ للمؤمنات [ الْمُؤْمِناتِ ] ( انتهى ) وفيه تصريح بان الشفاعة لا تزيد عن الدعاء وطلب المغفرة كما قلناه ( بل روي ) ان الحجر الأسود شافع مشفع ( ففي الجامع الصغير ) للسيوطي « 1 » ما نصه : الشيرازي في الألقاب وأبو نعيم في مسلسلاته وقال صحيح ثابت عن علي اشهدوا هذا الحجر خيرا فإنه يوم القيامة شافع مشفع له لسان وشفتان يشهد لمن استلمه ( وزاد ) العزيزي في الشرح فيمن رواه الرافعي وقال ( أشهدوا ) أي اجعلوا الحجر الأسود شهيدا لكم في خير تفعلونه عنده كتقبيل واستلام أو دعاء أو ذكر ( فإنه يوم القيامة شافع ) أي فيمن أشهده خيرا انتهى فاشهاده الخير ليشفع في معنى طلب الشفاعة منه مع أنه جماد لا يعقل ولا ينطق وقد أمرنا باشهاده الخير كما أمرنا بتقبيله واستلامه ولم يكن ذلك شركا والا لم يغيره الأمر لأن الحكم لا يغير الموضوع كما مر في المقدمات . فظهر ان الشفاعة والدعاء من واد واحد وكذا طلبهما من الغير وليس حتما على الله قبول الشفاعة ولا إجابة الدعاء وانما ذلك من ألطافه ومنه ورأفته بعباده فجعل لهم وسائل كثيرة إلى نيل رضاه وعفوه وخيره وبره وهذا منها ولا شفاعة الا باذنه ورضاه كما قال تعالى : ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ . وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ) وغير ذلك . وظهر ان طلب الشفاعة من النبي ( ص ) بل ومن آحاد المؤمنين في دار 93 الدنيا أحياء وأمواتا ليشفعوا في الدنيا في أمور الدنيا والآخرة أو يوم القيامة جائز لا محذور فيه لأنها من قبيل الدعاء فيرجع طلبها إلى التماسه وذلك جائز من الأحياء بالاتفاق ( أما ) طلب الدعاء من الأموات فمنعه ابن تيمية والوهابية والحق جوازه كما يأتي في الفصل الثالث . والأخبار الواردة في ثبوت الشفاعة للنبي ( ص ) يوم القيامة وانه الشفيع المشفع ولغيره مستفيضة أو متواترة رواها البخاري ومسلم وغيرهم . مثل من سال الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة . من سمع الأذان ودعا بكذا حلت له شفاعتي يوم القيامة . أعطيت خمسا وعد منها الشفاعة . انا أول شافع وأول مشفع . أتاني آت من ربي فخيرني بين ان يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة . يدخل بشفاعتي رجال من أمتي أكثر من بني تميم . ان الله يقول فرغ الشافعون من الشفاعة شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق الا ارحم الراحمين . يجلس المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا فيأتون آدم فيعتذر بخطيئته ثم إبراهيم ( ع ) فيعتذر بثلاث كذبات كذبهن ثم موسى ( ع ) فيعتذر بقتل النفس ثم عيسى ( ع ) فيقول لست هناك فيقول الله سبحانه بعد ان اسجد له اشفع تشفع ( الخبر ) ومن أدلة شفاعته لنا بعد موته ( ص ) حديث وفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم ( إلى قوله ) وما رأيت من شر استغفرت لكم لما عرفت من أن الشفاعة لا تزيد عن الدعاء لنا والاستغفار وإذا كان ( ص ) يستغفر لنا بعد موته جاز لنا ان نطلب منه الاستغفار الذي هو الشفاعة بعينها . وشفاعة النبي ( ص ) يوم القيامة لا ينكرها الوهابية فلا حاجة إلى إكثار الأدلة عليها وانما منعوا من جواز طلبها منه ( ص ) في الدنيا وان كانت ثابتة له وقد أعطاه الله الشفاعة وهو الشفيع المشفع وجعلوه شركا وكفرا . ( ومرجع ) شبهتهم في ذلك على ما يستفاد من مجموع كلماتهم التي سمعتها إلى أن طلب الشفاعة من النبي ( ص ) عبادة له وكل عبادة لغير الله شرك ( أما الثاني ) فلوجوب توحيد الله في العبادة كما يجب توحيده في الخالقية والرازقية ( واما الأول ) فلأن شرك الكفار الذين بعث إليهم رسول الله ( ص ) كان بطلبهم الشفاعة من الأصنام بدليل قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا . وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا ) ولأنهم لا ينكرون توحيد الخالقية والرازقية لكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله يقولون نريد منهم التقرب إلى الله وشفاعتهم عنده ولم يفرق النبي ( ص ) بين من كان يدعو الملائكة ليشفعوا له أو رجلا صالحا كاللات أو نبيا كعيسى أو يدعو غيرهم فقاتل الكل فهذا دليل على أن التشفع بالنبي أو الصالح شرك كالتشفع بغيره . ويدل أيضا على عدم جواز طلب الشفاعة من غير الله قوله تعالى : ( لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً . مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) وإذا كانت الشفاعة كلها لله لم يجز طلبها من غيره وقوله تعالى : ( فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ) وطلب الشفاعة من النبي ( ص ) دعاء له فيكون منهيا عنه مع كون الدعاء عبادة بنص الكتاب والسنة بل مخها كما يأتي وإذا كان طلب الشفاعة دعاء والدعاء عبادة كان شركا فالجمع بين ثبوت الشفاعة له ( ص ) وعدم جواز طلبها منه ان يقول المستشفع به ( ص ) اللهم شفعه في أو لا تحرمني شفاعته أو ارزقني شفاعته أو نحو ذلك وهذا معنى قولهم فالشفاعة حق ولا تطلب
--> ( 1 ) صفحة 225 ج ل شرح الجامع الصغير .