السيد محسن الأمين
263
أعيان الشيعة ( الملاحق )
هذه المبالغة وأعجبه إعجابا ملأ قلبه فرحا وسرورا لا يساعد عليه لغة ولا عرف وقد قاله أبو عبيدة في الآية الأولى وأنكر عليه الفراء والمبرد كما في مجمع البيان فكيف يكون بديعا سهلا واضحا سواء أقاله شمس الأئمة أم بدرها بل هو في الأولى استثناء منقطع كقوله : ( ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ ) أو ان الحجة بمعنى الحاجة فالاستثناء متصل . وفي الثانية الاستثناء منقطع كما صرح به علماء العربية والتفسير مخرج من المفهوم كما مر ووضع له فيه مكان ألا لا يصحح الكلام على أنه إذا كان المعنى ولا ما قَدْ سَلَفَ يكون نهيا عما سلف وهو غير معقول وتوجيهه بان المراد عدم انعقاده تكلف وتعسف وفي الثالثة ( إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ ) استثناء من قوله وَلا جُنُباً لأن لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ يراد به مواضع الصلاة وهي المساجد أي لا تقربوها جنبا إلا عابري سبيل فان عبور الجنب في المسجد مغتفر وفي الرابعة ( إِلَّا خَطَأً ) مثل ( إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ ) أي فقاتل المؤمن مؤاخذ إلا الخطا فلا إثم فيه وإنما فيه الدية . فهذه العبارات المنمقة : يعجبني إعجابا يملأ قلبي فرحا وقناعة لا تدخل على القلب شيئا من الفرح ولا من القناعة لأن ما يخالف اللغة والعرف لا يعجب أحدا ولا يفرحه ولا يقنعه . ( رابعا ) قياس ذلك على العري في الطواف وتحريم الخمر قياس فاسد فالعري في الطواف ثبت انه من أحكام الجاهلية ، ونظمت فيه الاشعار في الجاهلية : اليوم يبدو نصفه أو كله * فما بدا منه فلا أحله ( والمتعة ) لم يروا راو ولا مؤرخ انها كانت في الجاهلية ( والعري ) لم يناد به إلا مرة واحدة يوم براءة ( والمتعة ) يدعى انه نودي بتحريمها مرارا ( والعري ) الظاهر أن الذين كانوا يفعلونه من المشركين لقوله تعالى : ( بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) فكيف يقاس عليه ما فعله المسلمون من الصحابة . ( والخمر ) ورد تحريمها في آيتين في سورة المائدة ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) . وفي سورة البقرة : ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) ولم ينزل تحريم الخمر في أول الإسلام فكيف يقاس بها ما يدعى انه نودي بتحريمه مرارا ثلاثا أو أربعا أو سبعا بعد الإباحة من مبدأ الإسلام . ( رابعا ) إذا كانت لم تشرع في الإسلام ولم يفعلها أحد من الصحابة وقد نودي بتحريمها في حياة النبي ( ص ) ثلاث مرات أو اربع بل سبع على رؤوس الأشهاد وبمرأى ومسمع من الصحابة بلغ فيه الشاهد الغائب فلما ذا احتاج الخليفة ان يحرمها ويتهدد بالعقاب على فعلها في شان عمرو بن حريث ولو لم تكن فعلت في زمانه لما احتاج إلى هذا النهي والتهديد وكيف تجرأ الصحابة على فعلها بعد تكرار النهي عنها والمناداة به مرارا وهل يقبل ذلك من عنده ذرة من عقل ؟ ( خامسا ) زعمه ان الذي تكرر هو النداء بالتحريم فتوهم الرواة منه تكرير الإباحة كما قاله أولا أو التبس الأمر على بعض الصحابة فارتكبها جاهلا أو مستحلا كما قاله ثانيا فساده أوضح من أن يبين إذ كيف يتوهم عاقل ان جميع الرواة سمعوا النداء بالتحريم مرارا فتوهموا منه الإباحة وجل الصحابة التبس عليهم الأمر فتوهموا التحريم إباحة وهبهم توهموا ذلك في المرة الأولى فهل يمكن ان يتوهموه ثلاث مرات إلى سبع مرات في سنين 263 متباعدة وهب ان واحدا منهم توهم ذلك فكيف توهم الجميع والنداء كان بمسمع الألوف مرارا في أوقات مختلفة فهل يمكن ان يتوهموا كلهم من قول المنادي المتعة حرام ان المتعة مباحة هذا ما لا يتفق لصغار الصبيان ولا من ابلد البلداء وهو يدلنا على أن هذا العذر الملفق قصد به تصحيح ما لا يمكن ان يصح . وإذا كان قد تكرر ثلاث مرات - على قوله - في أوقات متباعدة - وتباعد بعضها بسنين . أيام خيبر والفتح وحجة الوداع وسبع مرات - على ما سنبينه - بزيادة عمرة القضاء وحنين وأوطاس وتبوك وإذا كان يستحيل عادة عدم علم الجميع بتحريمها في مثل تلك الحال . يلزم ان يكون الصحابة بعد سماعهم النداء بالتحريم ثلاث مرات أو سبع مرات في أوقات مختلفة متباعدة بقوا مصرين على عمل جاهلي هو زنا وحكم جاهلي من بقايا أحكام الجاهلية مداومين عليه إلى آخر أيام حياة النبي ص . فان النداء بالتحريم في حجة الوداع لا بد ان يكون تقدمه فعلها والا لم يحتج إلى النداء ثم بقوا مصرين عليه طول خلافة أبي بكر وشطرا من خلافة عمر بعد ما سمعوا النداء بتحريمه في حجة الوداع . ويفعله منهم ابن مسعود الذي وصفه بما وصفه هذا ما لا يتصوره عاقل واين عدالة الصحابة ونزاهتهم وهم الذين قال عنهم ان أقلهم - ولا أقل بينهم - أجل من أن يبتذل آية . هذا علم موسى جار الله وهذه أدلته وحمل روايات البخاري ومسلم واحمد وغيرهم المصرحة بوقوعها أيام خيبر والفتح وأوطاس وحجة الوداع على الوهم والاشتباه من الراوي بين التحريم والإباحة يسقط كل رواية رواها الثقات لإمكان الوهم فيها ويفتح الباب لابطال كل حديث في الصحاح وغيرها ولو ساغ التعويل على احتمال الوهم لكان كل من يسمع رواية لا توافق هواه يحملها على الوهم ولما بقي من أحكام هذا الدين شيء ولعمت الفوضى في الأحكام مع أن هذا يناقض دعواه عند التكلم على متون الأحاديث من أن أحاديث الصحاح قد خلت من كل شائبة وان أصحابها نقدوا الأحاديث نقد الصيارفة وانه لم يبق في أحاديث الأمة زيف أو دخيل واي زيف أعظم من أن يكون فيها التحليل بدل التحريم . ( سادسا ) زعمه انها ان كانت وقعت كانت تنعقد دائما ويبطل التوقيت محض تخرص وتحكم إذ ليس لذلك اثر في تلك الروايات بل هي صريحة في خلافه لا سيما قوله ( ص ) اجعلوا بينكم وبينهن أجلا فإذا كان التوقيت يبطل فما فائدة الأمر به وتعليله ذلك بان النكاح من أقوى العقود ينعقد انعقادا يبطل كل شرط يناقض ما يأتي منه ان الصديق شرط على الزبير شرطا تتطلق به ابنته أسماء منه إذا فركته ولكن التناقض والتهافت في كلامه ليس له كبير أهمية عنده ، وإذا كان النكاح من أقوى العقود فما باله ينفسخ بالطلاق باللفظ العامي والملحون . ( سابعا ) أصاب من قال إن أقوال أهل العلم في المتعة من غرائب الأقوال وحديثها من غرائب الأحاديث وليس لقول في بابها قرار . وأخطأ من قال إن المتعة من غرائب الشريعة إذ ليس في الشريعة غرائب كيف وهي الشريعة السهلة السمحة التي ما جعل الله فيها علينا من عسر ولا حرج والمطابقة لمصلحة الخلق في كل عصر وزمان وإنما أقوال أهل العلم فيها من غرائب الأقوال فإنهم لما أرادوا تصحيح ما لا يمكن ان يصح أدى ذلك إلى وقوع الغرائب في أقوالهم . واختلاف الروايات التي رووها فيها هو الذي أدى بهم إلى ذلك وهي لم يقتصر فيها على الإباحة في صدر الإسلام والتحريم يوم خيبر