السيد محسن الأمين
262
أعيان الشيعة ( الملاحق )
الصحيحة الصريحة المستفيضة - ان لم تكن متواترة - الآتية التي رواها أئمة الحديث في صحاحهم البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل والنسائي والترمذي وغيرهم الدالة على إذن النبي ( ص ) فيها وعلى وقوعها في عهد الرسالة ومدة حياة النبي ( ص ) وفي خلافة الشيخين وعدم نسخها . وكذلك الروايات الآتية التي ذكروها دليلا للنسخ فإنها لو ثبتت لكانت دالة على أنه نسخ لحكم شرعي فهي تكذب دعاواه وكل هذه الروايات نص صريح لا يقبل شيئا من تأويلاته وتمحلاته الفاسدة . ومن جملة الروايات رواية الترمذي عن محمد بن كعب المار ذكرها في كلامه آنفا للتصريح فيها بان المتعة كانت في أول الإسلام وان الرجل كان يتزوج المرأة إلى أجل بقدر ما يرى أنه يقيم وهي تكذب قوله لم يكن في الإسلام نكاح متعة . واستظهاره ان النكاح كان ينعقد دائما ليس في الكلام ما يشير اليه إلا أن يكون وحيا نزل عليه ومن جملتها رواية يعيب عليك الناس المار ذكرها أيضا في كلامه وتفسيره لها بما فسر به الأولى لا دلالة في الكلام عليه بشيء من الدلالات وما يرضى به صاحبه تفسيرا لكلامه وإنما أراد انه يمكنه إيقاع النكاح من أصله دائما ثم يطلق لا انه إذا أوقعه إلى أجل انعقد دائما ولا يتوهم ذلك من عنده شيء من فهم وهي دالة على أنه كان مشهورا بين الناس ان الله رخص في المتعة وانه هو الذي حرمها فلذلك عاب الناس عليه تحريمها لأنه ضيق عليهم فيما كان رخصة من الله وهو لم ينكر انه حرمها وانما اعتذر بان النبي ( ص ) أحلها زمن الضرورة ورجع الناس إلى سعة ولم يبق لها لزوم ولم يعتذر بان النبي ( ص ) حرمها بعد ما أحلها بل ظاهره ان إحلالها باق ولكنه لم يعلم أن أحدا عاد إليها ولا عمل بها لكونهم في سعة وغنى عنها لا لأنها محرمة وفي هذا رد صريح لما ادعاه من أنها من بقايا عوائد الجاهلية وفي قوله أي ضرورة إلخ رد على الخليفة الذي قال إن النبي أحلها للضرورة ورجع الناس إلى سعة فإنه كالصريح في أن الضرورة عدم السعة لا ما زعمه من أنها عادة جاهلية لم يمكن قلعها إلا بعد في زمن . ثم اعتذر بعذر أوسع من ذلك وهو انه لو فرض بقاء الضرورة إلى التزوج بقبضة فالآن من شاء نكح بقبضة نكاحا دائما وفارق بعد ثلاث بطلاق فالضرورة لا تدعوا إلى المتعة لإمكان الاستغناء عنها بالدائم بمهر مثل مهر المتعة والفراق بالطلاق بدلا من انقضاء الأجل وقد أصبت في تحريمي المتعة ولم أضيق على الناس فليس لهم ان يعيبوا علي تحريمها هذا هو معنى الحديث لا ما تمحله ولسنا الآن بصدد ان هذا العذر مقبول أو لا وان التزوج دائما بقبضة لا يتيسر غالبا وانما كلامنا في أن ما ذكره هذا الرجل لا مساس له بالحديث وقد ظهر ان ما استشهد به من الحديثين هو عليه لا له ككثير من استشهاداته واستدلالاته . ويكذبه أيضا قول الخليفة نفسه متعتان كانتا على عهد رسول الله انا احرمهما وأعاقب عليهما . ( والإجماع ) حكاه الامام فخر الدين الرازي في تفسيره فقال اتفقوا على أنها كانت مباحة في صدر الإسلام اه . والإجماع مشاهد من أقوال العلماء فقد عرفت انه لم ينكر انها كانت مشروعة في الإسلام أحد قبل هذا العصر . ومن أقوال أئمة المسلمين بأنها شرعت في الإسلام ما حكاه النووي في شرح صحيح مسلم عن القاضي عياض عن المازري أنه قال ثبت ان نكاح المتعة كان جائزا في أول الإسلام اه . وقال إنه كان نكاح المتعة مباحا في أول الإسلام ثم حرم وهو الآن جائز عند الشيعة اه . وقال ابن المنذر بنقل صاحب الوشيعة جاء من الأوائل الترخيص في المتعة ولا اعلم اليوم من 262 يجيزها إلا بعض الشيعة اه . فبان ان دعاواه هذه مخالفة منه لإجماع ومصادمة وتكذيب لما يرويه أئمة الأمة الذين اثنى عليهم أعظم الثناء . ( ثالثا ) زعمه انها كانت من العوائد التي لا تستأصل ولا تقتلع إلا بزمن وإلا بالقوة وان البعض كان يرتكبها جريا على عادة مستحلا أو جاهلا وانه لم يقتلع منها إلا بعد ان نودي بتحريمها مرات أيام خيبر والفتح وحجة الوداع وقياسها على ما جاء في آية وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ وعلى العري في الطواف وتحريم الخمر فساده أوضح من أن يبين فكونها من عوائد الجاهلية قد عرفت فساده . والعوائد الجاهلية يقتلعها الإسلام بمجرد نهي النبي ( ص ) عنها ولم يكن الذين آمنوا به ليبقوا عليها بعد النهي حتى يقتلعها الزمن ونسبة ذلك لهم قدح في ايمانهم وعدالتهم ومناف لما وصفهم به من أنهم : رهبان ليل يذكرون كلامه * اساد غيل في الوغى بنهار وقوله مستحلا أو جاهلا لا بد ان يكون مراده به مستحلا عالما بالتحريم أو جاهلا بالتحريم بقرينة واي شيء أفظع من نسبة استحلال الزنا إلى الصحابة بعد علمهم بالتحريم واين تكون عدالتهم . وكيف يتصور عاقل ان الصحابة داوموا على فعلها ولم يقتلعوا عنها إلا بعد ان نودي بتحريمها مرات آخرها في حجة الوداع فكانوا يفعلونها إلى الحجة الوداع التي هي آخر حياة النبي ( ص ) فان كانوا لم يسمعوا هذا النداء الذي تكرر ثلاث مرات بل سبع مرات على رؤوس الأشهاد في غزوات متعددة ومواضع متبددة في ضمن سنين فذلك ما لا يقبله عقل وان كانوا سمعوا وأصروا وعصوا فهو نسبة لأشنع القبائح إليهم هذا هو العلم الذي هدي اليه موسى جار الله اما قياسه لها على ما جاء في آية وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ فهو قياس فاسد فذاك نكاح ثبت حصوله في الجاهلية بنص القرآن وتحريمه بنص القرآن وضرورة دين الإسلام ولم يرد فيه ترخيص أصلا وهذا نكاح لم ينقل انه كان في الجاهلية وورد القرآن بتحليله واتفق المسلمون على أنه شرع في صدر الإسلام - وان خالفهم موسى تركستان في آخر الزمان - واختلفوا في نسخه وصرحت الروايات الصحيحة الآتية بأنه وقع في عصر النبي ( ص ) وباذنه وآية إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ ليس فيها إقرار لنكاح الجاهلية بوجه من الوجوه إذ الاستثناء فيها منقطع كما نص عليه النحويون وقالوا إنه استثناء من المفهوم اي فالنكاح ما نكح أبوه مؤاخذ إلا ما قد سلف في الجاهلية فلا مؤاخذة عليه لأن الإسلام يجب ما قبله وهذا ليس فيه شيء من إقرار نكاح الجاهلية . ثم إنه تكلم على آية إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ فقال في ص 149 ذكر في القرآن المحرمات خمس عشرة نسوة أولادها امرأة في نكاح أبيك واخراها محصنة لم تدخل في حيطة نكاحك وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ الآية . وفي ص 150 - 151 يعجبني إعجابا يملأ قلبي فرحا وقناعة قول إمام الأمة شمس الأئمة الامام السرخسي في كتابه المبسوط الذي لم يؤلف قلم الاجتهاد في مذاهب الإسلام كلها كتابا في فقه الشريعة مثله فقد قال في موجز إيضاحه : معنى الاستثناء في مثل هذه الآيات ان الا في معنى ولا . لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ . وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ الآية . لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا . وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً . قال : وهذا الذي قاله صاحب المبسوط في هذه الآيات الأربع معنى بديع سهل واضح . اه . باختصار . وهذا الذي نقله عمن سماه امام الأمة وشمس الأئمة وبالغ فيه وفي كتابه