السيد محسن الأمين

218

أعيان الشيعة ( الملاحق )

قبل خروجه إذ بعد خروجه تمت الصلاة ولا محل لرفع الستار وإذا كان قد حصل مراده ومتمناه وما أوجب حصول أجل فرح له فما سبب هذا الخروج وما المقصود منه ، والحق أن أعظم كرب حصل للنبي ( ص ) في آخر ساعة من حياته حين أمرهم بإحضار الدواة والكتف ليكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده أبدا فلم يفعلوا ولست أدري كيف يكون الأمر بالصلاة لو صح دليلا على الإمامة في الدين والدنيا عند من يجوز الصلاة خلف البر والفاجر . ( نسبته سوء الأدب إلى موسى والحسد إلى يونس ( ع ) وحاشاهما ) قال في صفحة ( جم ) : عبرة بعبرة . العجب أن اليهود كانت تأتي بكل أمر منكر . وذكر مذام كثيرة لليهود وقال أنها عبدت العجل وموسى وهارون ويوشع بن نون في قيد الحياة . ومع ذلك كانت اليهود تقدس أمة اليهود وتحترمها حتى أن أنبياء اليهود كانوا يلومون الله ويغاضبونه إذا بدا لهم من الله تقصير في أمر اليهود وقد حكى الله في القرآن شيئا من ذلك في موسى إذ يقول ( فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ ) . وهذا لوم بليغ عذر الله نجيه فيه لأنه صدر عن حب وفرط من شفقة للسبعين وحبه لأمته وصدق احترامه لليهود في كل أمورها وقد حكى الله أعظم من ذلك في يونس ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) وعذره الله في ذلك حيث لم يكن غضبه إلا لأجل أن يختص الله بهدايته اليهود والحسد وان كان أكبر كبيره عفاه الله عن ذي النون لأنه تمنى به امتياز اليهود بين الأمم بفضل الله وهدايته . ( ونقول ) في اعترافه بان اليهود عبدت العجل وانبياؤها إحياء ، اعتراف بوقوع نظير ذلك في هذه الأمة - المعصومة عنده - لقوله ( ص ) لتتبعن سنن من قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لو دخل أحدهم جحر ضب لدخلتموه . ثم انظر وتأمل في قوله أنبياء اليهود كانوا يلومون الله ويغاضبونه إذا بدا لهم من الله تقصير في أمر اليهود هل يليق أن يقال مثل هذا الكلام في حق الله تعالى وأنبيائه . الله تعالى يقصر في حق اليهود والأنبياء إذا بدا لهم هذا التقصير يلومون الله تعالى ويغاضبونه على تقصيره كما يلوم الرجل ولده أو خادمه أو نظيره ويغاضبه عند تقصيره وأي جاهل ينسب إلى الأنبياء أنهم يظنون أو يعتقدون حصول التقصير من الله تعالى في حق اليهود فيلومونه ويغاضبونه لأجل ذلك والتقصير إذا نسب إلى عبد من عباد الله يكون ذما له فكيف بالله جل جلاله وهل يكون اللوم إلا على فعل غير لائق والمغاضبة إلا على فعل قبيح . ولكن هذا الرجل لا يدري ما يقول أو لا يبالي ما يقول وإذا كان هذا قوله في حق الله تعالى وأنبيائه فلا عجب مما صدر منه في حق الباقر والصادق في مقام آخر . ولا شيء أعجب من نسبة أكبر كبيرة إلى يونس ( ع ) وهي الحسد وأن الله تعالى عفا عنه ذلك لأنه تمنى بحسده امتياز اليهود بفضل الله وهدايته . فهذا الحسد الذي زعمه إن لم يكن معصية لم يجز نعته بأنه أكبر كبيرة ولم يحتج إلى العفو وإن كان معصية لم يجز صدوره من الأنبياء المعصومين من الذنوب سواء أتمنى به امتياز اليهود أم لا . والحاصل ان الأنبياء بعصمتهم الثابتة بالعقل والنقل منزهون عن أن يسندوا إلى الله فعلا قبيحا غير لائق فيلومونه عليه أو يغاضبونه لأجله ومنزهون عن كل ما ينافي العصمة ويوجب نسبة الذنب ، وإذا ورد في ظاهر النقل ما يوهم ذلك وجب تأويله لأن الحكم المستفاد من العقل قطعي وهو موجب للقطع 218 بعدم إرادة ظاهر اللفظ المخالف له فلا لوم من موسى بن عمران ع لربه وان زعم ذلك موسى تركستان لا بليغ ولا غير بليغ وإنما صدر منه التأسف على ما أصاب قومه والعذر الذي اعتذره موسى عن موسى ع أقبح من الذنب الذي نسبه إليه فان الشفقة للسبعين وحبه أمته واحترامه لليهود لا يسوغ له نسبة القبيح إليه تعالى وهو نبي من أولي العزم . وأما يونس ع فلما تأخر نزول العذاب على قومه حسبما كان أخبرهم تألم لذلك وتركهم شبه المغاضب الظان عدم القدرة عليه فالكلام مجاز نظير زيد أسد أو المراد - وهو الأظهر المروي من طريق أئمة أهل البيت ع - فذهب مغاضبا لقومه فظن أن لن نقدر عليه رزقه . وأما امتحانه بابتلاع الحوت فلتركه الأولى من التريث والتأني في أمر قومه كما ابتلي يعقوب بفراق ابنه لتركه الأولى من البحث عن جاره الفقير ، وقوله إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ جار هذا المجرى ولم يكن ظالما حقيقة وأجهل الجاهلين لا يمكن أن يظن عدم قدرة الله عليه فضلا عن النبي المرسل . قال المرتضى رضي الله عنه في كتاب تنزيه الأنبياء : من ظن أن يونس ع خرج مغاضبا لربه من حيث لم ينزل بقومه العذاب فقد خرج عن الايمان في الافتراء على الأنبياء ع وسوء الظن بهم . وليس يجوز أن يغاضب ربه إلا من كان معاديا له وجاهلا بان الحكمة في سائر أفعاله وهذا لا يليق باتباع الأنبياء من المؤمنين فضلا عمن عصمه الله تعالى ورفع درجته . وأقبح من ذلك ظن الجهال وأضافتهم إليه ع أنه ظن أن ربه لا يقدر عليه من جهة القدرة التي يصح بها الفعل ويكاد يخرج عندنا من ظن بالأنبياء ع مثل ذلك عن باب التمييز والتكليف وإنما كان غضبه على قومه لمقامهم على تكذيبه وإصرارهم على الكفر ويأسه من إقلاعهم وتوبتهم فخرج من بينهم خوفا من أن ينزل العذاب بهم وهو مقيم بينهم فاما قوله تعالى فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فمعناه أن لن نضيق عليه المسلك ، قال الله تعالى : وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أي ضيق . اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ * أي يوسع ويضيق . فاما إِذا مَا ابْتَلاهُ ربه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ . وإنما لم يخرج من أول الأمر لأن نزول العذاب كان له أجل مضروب فكان يعلم بعدم نزوله قبل الأجل اه ومما مر يظهر أن في حالات هذا الرجل عبرا وعبرا لمن اعتبر . لعن الأموية عليا ع قال في ص ( مه ) : اللعنات بدعة فاحشة منكرة أحدثتها بيوت متعادية ولعنت الأموية الامام عليا مدة ولا نشك في أن عليا رابع الأمة أعلم الصحابة فلو لعن علوي أمويا لأمكن أنه من باب ( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) . ( ونقول ) اللعنات فاحشة منكرة على غير مستحقيها فقد لعن القرآن الكاذبين والظالمين وهذه البيوتات المتعادية كان العداء فيها بين الإسلام والكفر والحق والباطل وإذا كان علي رابع الأمة واعلم الصحابة فما قولنا فيمن لعنه على المنابر ومعه الحسن والحسين وابن عباس واتخذ ذلك ديدنا واتبعه بنو أبيه عليه أعواما متطاولة نحو سبعين عاما وهم يحملون لقب إمارة المؤمنين واثنان منهم من الصحابة وإذا كان علي رابع الأمة واعلم الصحابة فما قولنا في لعنه معاوية وعمرو بن العاص وأبا موسى بعد وقعة الحكمين وكلهم صحابة وهو يعلم أنهم لا بد أن يقابلوه بالمثل ولم يكن غرا ولا مغفلا وهل تقبل عقولنا أن نحمل ذلك على الاجتهاد فنقول : ونعرض عن ذكر الصحابة فالذي * جرى بينهم كان اجتهادا مجردا