السيد محسن الأمين
212
أعيان الشيعة ( الملاحق )
ان يختلق لها مختلق وجها سياسيا مهما أطال هذا الرجل وكرر هذه الترهات فليس وجهها إلا ما أعلن به فاعلنها على رؤوس الملأ بقوله : ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل لأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل لست من خندف ان لم انتقم * من بني احمد ما كان فعل لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل وكما قلت : ثارات بدر أدركت في كربلاء * لبني أمية من بني الزهراء وقد ساقته أوهامه في توجيه الأمر أو الأمرين مع احاطته بما في كتب الشهادتين إلى أن هذه الفتنة جاءت من عفاريت اليهود وشياطين الفرس . وينبغي لسامع هذا الكلام ان يقهقه وان كان ثاكلا ولسامعته ان تضحك وان كانت ثكلى . فتنة قتل الخليفة الثالث وفتنة قتل السبط الشهيد جاءتا من عفاريت اليهود وشياطين الفرس ( اما الأولى ) فيقول المقريزي في خططه أثارها عبد الله بن سبا اليهودي ومشى خلفه موسى جار الله وأثارها الفرس الذين دخلوا في الإسلام وأظهروا للانتقام من الإسلام كلمة قالها شخص وتبعه من بعده لأنها وافقت هواهم ولكنا لا ندري متى أظهر الفرس انتقاما من الإسلام وجميع بلاد الفرس في الدولة الإسلامية من أولها أهلها سنيون إلا ما ندر وجميع اجلاء علمائهم ومحدثيهم هم سنيون الا ما شذ . كالبخاري وابن ماجة القزويني وأبو زرعة الرازي والكيا الهراسي والنسائي وغيرهم ممن يضيق عنهم نطاق الإحصاء ولم ينتشر في بلاد الفرس إلا في عهد الصفوية وهم من نسل الإمام الكاظم وليسوا فرسا فمن هم الذين أظهروا من الفرس انتقاما من الإسلام وفي اي زمان وجدوا ؟ ( واما الثانية ) فلا ندري ولا المنجم يدري ما علاقتها باليهود والفرس ( والصواب ) ان الأولى جاءت ممن كان يخرج قميص رسول الله ( ص ) ويقول ما هو مشهور معروف ويأمر بقتل عثمان ويلقبه بلقب مشهور ويقول ما هو معروف مشهور . وممن صلى بالناس صلاة الصبح ثلاث ركعات في مسجد الكوفة وهو سكران وتقيا الخمر في محراب المسجد وممن كان يكتب الكتب عن لسانه ويختمها بخاتمه ويرسلها مع غلامه على راحلته ولا يعلم هو بذلك . ومن كان كلما وعد أحدا بإزالة شكايته أفسد عليه ذلك . وممن تركه محصورا بعد ما هيج الناس عليه وخرج من المدينة إلى مكة . وممن استنجد به فلم ينجده بل أرسل قوما لنجدته وأمرهم بالمقام بوادي القرى دون المدينة حتى قتل هؤلاء الذين جاءت منهم الفتنة الأولى مع انضمام أسباب أخر لا من عفاريت اليهود كابن سبا وغيره فإنه أقل وأذل من ذلك ولا من شياطين الفرس واين كان الفرس عن هذه الفتن ليكون لهم اثر فيها وهل ترك عفاريت العرب وشياطينهم مجالا لعفاريت اليهود وشياطين الفرس في ذلك . وإذا استطاع ابن سبا اليهودي الملحد ان يؤثر على المسلمين وفيهم جمهور الصحابة الكرام وأهل الحل والعقد - وهم أمة معصومة قد بلغت رشدها - فيوقعهم في فتنة عمياء تؤدي إلى قتل خليفتهم وتشعب أمرهم وتشوب الفتن بينهم وهم لا يشعرون فأي ذم لهم يكون أكبر من ذلك . هذا ما لا يرتضونه لأنفسهم ولا يرتضيه لهم المقريزي ولا موسى جار الله ولا أحد من المسلمين ( والصواب ) ان الثانية جاءت من يوم بدر ومن غلبة الإسلام على الكفر كما مر . 212 ( وأما قوله ) لعبت بغفلة الشيعة ( إلخ ) فقد علمت مما مر أن لا شيء من ذلك لعب بغفلة الشيعة للنيل من دين الإسلام ومن دولته وإنما نال من دين الإسلام ومن دولته من أثار تلك الفتن حبا بالدنيا وأعراضا عن الآخرة وطمعا في الإمرة وحسدا وبغيا وانتقاما للكفر من الإسلام والغفلة التي نسبها إلى الشيعة لم تكن إلا فيه بتقليده من تقدمه وغفلته عن الحق . ( قوله ) هذه أوهامي ( إلخ ) قد ظهر أنها أوهام فاسدة وتخرصات واهية باردة . والعجب منه كيف يقول لا علم عندي في وجه الأمرين غير ذلك مع إحاطتي بما في كتب الشهادتين . والوجه فيهما باد كالشمس الضاحية . قال في ص ( أن ) : وقد كشف الغطاء عن وجه الأمرين الامام المجتهد النجفي جعفر ابن الشيخ خضر في كتابه كشف الغطاء وهو كتاب يعتمد عليه شيعة اليوم حيث ذكر فيه ما يفهم منه رضا علي بقتل عثمان الذي قتله المهاجرون والأنصار ( إلى أن قال ) فكشف بمثل هذا التحقيق كل الغطاء عن وجه الشهادتين فهل بعد ذلك يمكن أن يقال إن مطالبة معاوية عليا بدم عثمان كان بغيا وهل يمكن لوم يزيد ولعنه لأجل قتله الحسين وأهل بيته وعثمان أسود أموي ومعاوية ويزيد أحق أموي بمطالبته دمه وأقوى أموي يستوفي حقوق بني أمية من أعدائها ولا لوم إلا على من فتح باب الفتنة بقتل أسود أموي بعد ما ذهب الإسلام بجذور الفتن ولا لوم إلا على شيعة الكوفة التي خدمت يزيد فدعت الحسين نفاقا ثم باعت دينها بدنيا يزيد فخذلت الحسين وأسلمته إلى يزيد لا لوم إلا على من كان يخذل عليا في حياته وسعى في قتل أولاده بعد مماته اه باختصار . ( ونقول ) الشيعة لا تتوقف عن مخالفة الشيخ جعفر في هذا الرأي سواء أوصف بالإمام المجتهد أم لم يوصف فهو ليس بمعصوم من الخطا في آرائه . وأما كتابه فكسائر الكتب يعتمد عليه شيعة اليوم وقبل اليوم فيما أصاب فيه ويردونه فيما أخطا فيه ولا يمكن أن يجعل معبرا عن رأي عموم الشيعة ولا عن رأي فرد منهم سواه . ولا يشك أحد من الشيعة في براءة علي من دم عثمان . لا سيما بعد أن تبرأ منه في عدة مواضع فالتفريع الذي فرعه عليه في حق معاوية ويزيد خطا ما عليه من مزيد - وإن أراد ستره بقوله وفعله أكبر وأفحش إلخ - ولكن قد سبق منه أن قال : قتل الامام وقوة الدولة هم الأنصار والمهاجرون - وعلي على رأسهم - بالمدينة وكليمة همس منه تكفي في طرد الفئة الثائرة . لم أجد في هذا الأمر عذرا لاحد . شهادة خليفة الإسلام وقوة الدولة الإسلامية حاضرة قوية كانت متمكنة من دفعها ولم تدفع ولم تدافع . وهذا يلزم منه عين ما عابه على الشيخ جعفر لا في حق علي وحده بل في حق جميع المهاجرين والأنصار الموجودين يومئذ . ثم إن التي يجب أن نأخذ ثلثي ديننا عنها وحواري رسول الله ومن هم من العشرة المبشرة وعبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم وغيرهما ومعاوية ومن معه من الصحابة العدول كلهم قد اجتهدوا فاعتقدوا خطا أن عليا قتل عثمان فقاموا يطلبون بدمه ويقاتلون عليا يوم الجمل وصفين حتى قتلت عشرات الألوف من المسلمين بسبب هذا الاجتهاد المخطىء والقاتل والمقتول في الجنة وللمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد . وهؤلاء كلهم كانوا معاصرين للخليفة مطلعين على ظاهر أمره وباطنه وقتل وهم أحياء قريبين منه لا يخفى عليهم شيء من أمر قتله وتأتيهم أخباره بكرة وعشية ومع ذلك فقد اعتقدوا خطا أن عليا قتله فإذا اعتقد الشيخ جعفر بعد ألف ومئات من السنين خطا رضا علي بقتل عثمان فليس ذلك بالأمر الغريب ويكون معذورا في اجتهاده