السيد محسن الأمين
213
أعيان الشيعة ( الملاحق )
الذي أخطأ فيه واعذر من الذين كانوا في ذلك العصر فأخطئوا وعذروا وأثيبوا . على أن خطا الشيخ جعفر لم يترتب عليه من المفاسد ما ترتب على خطا أولئك من إراقة الدماء الكثيرة وتشتيت كلمة المسلمين واستحكام العداوة والشحناء بينهم إلى اليوم . ثم إنا نراه قد أقام نفسه محاميا ومدافعا عن يزيد وأبيه بما لا يرضيانه ولا يشكرانه عليه فالأب قد قال حين دخل الكوفة بعد صلح الحسن ع فيما رواه أبو الفرج الأصبهاني في المقاتل ورواه أيضا عن المدائني : إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا أنكم لتفعلون ذلك ولكني قاتلتكم لأتامر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون والابن قد قال فيما رواه سبط ابن الجوزي عن الشعبي : لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل فهما قد دافعا عن أنفسهما وأبانا عما في ضمائرهما فلا يحتاجان إلى مدافعته ومماحكاته هذه . وقد عرفت مما سبق من هو الذي فتح باب الفتن وسبب قتل أسود أموي ثم قام يطلب بثاره . والإسلام ان كان ذهب بجذور الفتن - كما يدعي - فالمسلمون والأمة المعصومة - عنده - قد أعادوا هذه الجذور وسقوها بمياه التمويه والخداع حتى نمت واستطالت وامتدت فروعها فبلغت أداني بلاد الإسلام وأقاصيها وبقيت تلك الفروع باسقة مستطيلة إلى اليوم وهو يتمسك بفروعها وأغصانها . قوله لا لوم إلا على شيعة الكوفة إلخ . نعم لا لوم إلا عليها عنده أما سائر الأمة فلا لوم عليها أبدا بخذلانها ابن بنت نبيها وتمكينها ليزيد من قتله بل تستحق على ذلك المدح والثناء . وقد عرفت فيما مضى من الجواب عن مثل هذا الكلام أنه عار عن التحصيل فلا نعيد . قال في صفحة ( ن ) : وانطلق قلم الشيخ - صاحب كشف الغطاء - فاخذ يبث ما في قلبه من العلوم والعقائد وطفق يستدل على فضل علي بحديث لا يجوز على الصراط إلا من كان بيده جواز من ولاية علي . بخبر لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي في وقعة أحد بحديث رد الشمس عليه مرة أو مرتين أو ستين مرة . ( ونقول ) : نقله ما ذكره الشيخ جعفر من فضائل علي ع بعبارة الاستهزاء يوجب الهزء بعلمه وعقله ففضائل علي قد ملأت الخافقين ووصلت إلى أسماع الجن والإنس والمستهزئ بها عار من العلم والعقل ( إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ) ونراه اقتصر على الدعاوي المجردة كعادته . ( أما حديث لا يجوز على الصراط إلخ ) فقد رواه أبو المؤيد موفق بن أحمد من أعيان علماء من تسموا بأهل السنة بإسناده من طريقين في كتب فضائل أمير المؤمنين ( ع ) ورواه أبو الحسن علي بن محمد الخطيب المعروف بابن المغازلي الشافعي في المناقب من ثلاثة طرق وأكثر ورواه إبراهيم بن محمد الحموئي من أعيان علماء السنيين بسنده . ورواه ابن شيرويه الديلمي من أعيان علماء السنيين في كتاب الفردوس في باب الحاء ولكن بلفظ حب علي براءة من النار ورواه غيرهم أيضا وهذه الأحاديث بألفاظها وأسانيدها مذكورة في غاية المرام وروي من طريق الشيعة بسبعة طرق مذكورة في غاية المرام أيضا . ( وأما حديث لا سيف إلا ذو الفقار ) فرواه الطبري وابن الأثير وغيرهما 213 ونظمه الشعراء وأودعه العلماء مؤلفاتهم فهل يمكنه إنكاره أو لا يجده فضيلة ليقل ما شاء . ( وأما حديث رد الشمس لعلي ع ) فقد رواه من غير الشيعة ابن المغازلي الفقيه بسنده عن أسماء بنت عميس كان رسول الله ( ص ) يوحى إليه ورأسه في حجر علي فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال رسول الله ( ص ) إن عليا كان على طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت . ورواه ابن المغازلي الشافعي أيضا بسند آخر عن أبي رافع نحوه . ورواه موفق بن أحمد بطريقين في حديث احتجاج علي على أهل الشورى فكان فيما قال : أمنكم أحد ردت عليه الشمس بعد غروبها حتى صلى صلاة العصر غيري قالوا لا . ورواه موفق أيضا بسنده عن أسماء بنت عميس نحوه . ورواه موفق أيضا بسند آخر عن أسماء بنت عميس . ورواه إبراهيم بن محمد الحموئي بسنده عن أسماء بنت عميس وهذه الأحاديث كلها بأسانيدها ومتونها مذكورة في غاية المرام للسيد هاشم البحراني . وذكر ابن حجر الهيتمي في الفصل الرابع من الباب التاسع من صواعقه المعقود لذكر نبذ من كرامات علي ما لفظه : ومن كراماته الباهرة أن الشمس ردت عليه لما كان رأس النبي ( ص ) في حجره والوحي ينزل عليه وعلي لم يصل العصر فما سري عنه ( ص ) إلا وقد غربت الشمس فقال ( ص ) : اللهم انه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس فطلعتت [ فطلعت ] بعد ما غربت قال وحديث ردها صححه الطحاوي والقاضي في الشفاء وحسنه شيخ الإسلام أبو زرعة وتبعه غيره وردوا على جميع من قالوا أنه موضوع . فهذا هو حديث رد الشمس الذي حكاه بعبارة الاستهزاء بقوله مرة أو مرتين أو ستين مرة . وهذه عصبيته التي أدت به إلى الاستهزاء بالحديث النبوي فما ذا يكون منه بعد هذا . وحكى في صفحة ( ع ) عن صاحب كشف الغطاء أنه عقد بابا للمثالب ذكر فيه رواية البخاري في صحيحه عن نافع عن ابن عمر قام النبي خطيبا فأشار نحو مسكن أم المؤمنين وقال الفتنة تطلع من هاهنا ثلاثا من حيث يطلع قرن الشمس . ثم قال هذه شواهد تدل على قدر الايمان والأدب والأمانة لاقلام مجتهدي الشيعة . ( ونقول ) : خوض الناس في المثالب والمناقب ليس من مخترعات صاحب كشف الغطاء فقد جرى البحث والجدال في ذلك في الأعصار السالفة واللاحقة وابتداء ذلك من عصر الصحابة كما يظهر بأدنى تتبع وتناظر فيه العلماء في كل عصر وقد صنف فيه إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي صاحب المغازي المتوفى سنة 283 كتابه المعروف وحلف أن لا يرويه إلا بأصفهان التي كان أهلها في ذلك الوقت أبعد الناس عن أهل البيت فانتقل إليها ورواه بها ثقة منه بصحة ما رواه في ذلك وتناظر فيه المرتضى وقاضي القضاة الباقلاني فألف الباقلاني كتاب المغني ونقضه المرتضى بكتاب الشافي المطبوع وتناظر فيه قبل المرتضى ابن قبة مع بعض علماء ما وراء النهر نقضا وإبراما بكتب عدة حتى مات أحدهما . وما زالت المناظرة شائعة بين العلماء في كل عصر وزمان . وغير المعصوم لا يمتنع أن يوجد له مناقب ومثالب وما دام المتبع هو الدليل والبرهان فليس لأحد أن يغضب أو يعيب إلا بدليل وبرهان . أما إيمان مجتهدي الشيعة فيوازي الجبال الرواسي . وأما الأدب فليس في نقل ما يرويه العلماء منافاة للأدب . وأما الأمانة فهل رأى أن ما حكاه عن صحيح البخاري ليس موجودا فيه أو أن فيه شيئا من التحريف .