السيد محسن الأمين

211

أعيان الشيعة ( الملاحق )

( قوله ) لأن شيعة العراق قد جربها أبوه وأخوه . نعم قد جرباها فلم ينصرهما غيرها . ولكن هل يعتقد موسى جار الله ان العراق في عهد أبيه وأخيه كان كل أهله أو جلهم شيعة لهما أو ان الغالب من أهلها على خلاف ذلك وإذا كان يعتقد الأول فلما ذا حاربه أهل البصرة يوم الجمل ويوم ابن الحضرمي ولما ذا قصد أصحاب الجمل البصرة دون غيرها من البلدان وكيف يكون ذلك وجل أهلها . ولما ذا قعد عنه أهل الكوفة يوم الجمل في أول الأمر وقد أرسل ولده الحسن وعمار بن ياسر يستنجدهم فلم ينجدوه ومالوا إلى تخذيل أبي موسى . ولما ذا لم يتمكن من عزل شريح القاضي ومن إبطال الجماعة في نافلة شهر رمضان حتى كانوا ينادون في مسجد الكوفة وا سنة فلاناه وغير ذلك مما لم يمكنه إبطاله . وقد كان في الكوفة الأشعث بن قيس رئيس كندة من أكبر عشائر الكوفة - وعشيرته تبع لأمره - وهو ألد أعداء علي أمير المؤمنين وكان يفسد عليه أموره وله الضلع الأكبر في خذلان علي يوم رفع المصاحف ويوم الحكمين وفي جميع أدوار امارة أمير المؤمنين ع وله الضلع الأكبر في قتله وهو الذي أفسد عليه أمر الخوارج لما أراد استصلاحهم وابنه محمد أعان على قتل هانئ ومسلم بن عقيل بالكوفة وخرج هو وأخوه قيس لحرب الحسين وكان قيس ممن كاتبه وسلب قيس قطيفة الحسين . وجل عشائر العراق انما كانت تتبع رؤساءها وأطماعها ولم تكن أهل دين ولا خلا نادر منها كهمدان وعبد القيس وغيرهم . أما ما زعم أنه قول أبيه في الشيعة فهو افتراء فالشيعة لم يكونوا ليعصوا له امرا أو يخالفوا نهيا أو يحيدوا عن أوامره ونواهيه قيد شعرة ولكن هؤلاء كانوا اقلاء . وانما قاله فيمن كانوا معه وتحت حكمه من الناس وكان فيهم أو الغالب عليهم ما قدمناه . ( قوله ) وما كان لينسى قول أبيه في الشيعة ( إلخ ) قد عرفت ان هذا ليس قول أبيه فيهم بل في عامة الناس الذين ان لم يكن الشيعة فيهم أقلية فليسوا بأكثرية . وإذا كان الحسين لم ينس قول أبيه فيهم فما باله خرج إليهم ولم يكن مغفلا ولا قليل تجربة فقد ناقض هذا الرجل نفسه واستدل بما يثبت خلاف مطلوبه . نهج البلاغة ( قوله ) ولو صح نهج البلاغة إلخ . . نهج البلاغة صحيح وان حاول المحاولون إبطاله وقدحوا فيه عند كل مناسبة لغرض في نفوسهم كما قدح القادحون في القرآن وقالوا إنه كلام ساحر وكلام شاعر فلم يضره ذلك وشهدت بلاغته وفصاحته وعجز الناس عن معارضته بصحته كما شهدت بلاغة نهج البلاغة - الذي هو بعد الكلام النبوي فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق - وفصاحته وعجز الفصحاء والبلغاء عن الإتيان بمثله بصحته فشرحه الشارحون شروحا لا تحصى وحفظه الخطباء والوعاظ واستمدوا منه واشتهر في جميع الأقطار والاعصار ولم يستطع ان يشق له غبار . ( قوله ) وأكثر خطبه شكوى ولعنة وقلما خلت خطبة من ذم لشيعته وشكوى وهل كان يخذل عليا إلا شيعته ( ونقول ) شكوى ولكن ممن ولعنة ولكن على من ؟ وذم ولكن لمن ؟ انظره وانظر كلامه وأشعاره تجد أن أكثر خطبه وكلامه مدح وثناء على رؤساء أصحابه من الشيعة كالأشتر والأحنف وقيس بن سعد وسعيد بن قيس وعمار وابن التيهان وأبناء صوحان والحصين 211 بن المنذر ومحمد بن أبي بكر وأمثالهم وذم لعامة أصحابه الذين لم يكونوا كذلك وشكوى من أعدائه وفي كلامه وشعره المدح العظيم لهمدان وربيعة حتى قال : لو كنت بوابا على باب جنة * لقلت لهمدان ادخلوا بسلام وقال : ربيعة أعني انهم أهل نجدة * وبأس إذا لاقوا خميسا عرمرما وحاشا شيعته ان يخذلوا وانما كان يخذله من عرفت وقد دفع عنه الأحنف يوم الجمل مائة ألف سيف من بني تميم كانوا على رأي أصحاب الجمل فاعتزل بهم ويوم الحكمين بذل غاية جهده في عزل أبي موسى والأشتر أبى التحكيم إباء شديدا وكذا غيره من خلص شيعته ولكن المنافقين أمثال الأشعث والجامدين من القراء الذين لم يكونوا يعرفون لأمير المؤمنين حقه هم الذين خذلوه ومن الخطل المشين عدهم من شيعته من أبوا إلا التحكيم وإلا أبا موسى المعلوم حاله . اما ما حكاه عن شرح نهج البلاغة فهو يشير إلى خطبة يتذمر فيها أمير المؤمنين ع من أصحابه ويذمهم على عدم اطاعتهم له . ولا يخفي - كما مر - ان جميع أصحابه ورعيته لم يكونوا شيعة له عارفين بحقه بل كان جلهم - إلا النادر - على خلاف ذلك وقد ابان هذا المعنى ابن أبي الحديد في شرح النهج عند شرحه لهذه الخطبة ج 2 ص 184 ، فقال : من تأمل أحواله ع في خلافته علم أنه كان كالمحجور عليه لا يتمكن من بلوغ ما في نفسه . وذلك لأن العارفين بحقيقة حاله كانوا قليلين وكان السواد الأعظم لا يعتقدون فيه الأمر الذي يجب اعتقاده فيه - إلى أن قال : وأكثرهم انما يحارب معه بالحمية والنخوة العربية لا بالدين والعقيدة إلى آخر كلامه الذي ذكره في شرح هذه الخطبة ولا شك ان صاحب الوشيعة قد رآه وقرأه وقد كان فيه ردع له عما قاله لو كان عنده شيء من الإنصاف وكان قصده تحري الحقيقة فبان ان زعمه كون هذه الخطبة في ذم الشيعة زعم فاسد ورأي كأسد فالشيعة في أصحابه لم يكونوا إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض وإذا كان نهج البلاغة لم يصح عنده فما باله يستشهد به لمزاعمه . قال في صفحة ( م ) : « 1 » ومهما يختلق للثانية - اي شهادة الحسين - مختلق من وجه سياسي فان الأولى لن يجد وجها لها نفس واجد الا توجيهات صوفية للثانية ذكر بعضها مؤلف سر الشهادتين وإذ لم اقنع بها توهمت وقلت انما هي فتنة جاءت من عفاريت اليهود وشياطين الفرس لعبت بغفلة الشيعة للنيل من دين الإسلام ومن دولته هذه اوهامي في توجيه الأمر أو الأمرين ولا علم عندي في وجه الأمرين غير ذلك وان كنت قد أحطت بما في كتب الشهادتين . ( ونقول ) عبارته هذه الممجوجة في الأسماع والقلوب بقوله فيها لن يجد وجها لها نفس واجد ، وقوله إلا توجيهات صوفية للثانية الذي أوجب استثنائه هذا فيها خللا في نظم الكلام وغير ذلك فيه ان الثانية لا تحتاج إلى

--> ( 1 ) اعلم أن لهذا الرجل ميلا إلى الشذوذ حتى في وضع العدد لصفحات كتابه وضع العدد في أول الكتاب بالحروف الأبجدية لكن على غير الطرز المتعارف إلى غاية 36 ورقة ثم وضعها بالأرقام الهندية إلى نهاية الكتاب وصفحة ( م ) قد تكررت في كلامه والتي هنا هي الأولى فتنبه - المؤلف - .