السيد محسن الأمين

201

أعيان الشيعة ( الملاحق )

الأمة إذا لم يكن لها عقل يعصمها وايمان يهديها وقوة تحميها فلا وجود للأمة واستشهاده بآية ( يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ ) وان العقل نور إلهي وبآية ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ ) فهو في السخافة كما سبقه فان العقل بمجرده لا يكون عاصما كما عرفت وكونه نورا إلهيا لا يمنع ان تغطي عليه ظلمات الشهوات ممن لم يهدهم الله لنوره فان هذا النور الإلهي لم يخلقه الله تعالى قادرا على ادراك كل شيء . والايمان وحده لا يكون هاديا سواء أكان هادئا أم متحركا . ( و الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ ) والذين عملوا السيئات لا تشملهم هذه الهداية . والقوة التي تحمي الأمة يجب أن تكون في يد امام معصوم لئلا يستعملها من هي في يده في هدم كيان الأمة وفيما يضرها ويصرفها حسب شهوات نفسه لا حسب مصلحة الأمة كما وقع ذلك في دولة الإسلام كثيرا وكفلت بحفظه التواريخ وهو أظهر من أن يحتاج إلى بيان مع أن الإمامة لا يمكن ان تزيد عن النبوة فالأنبياء الذين كذبوا وقتلوا وطردوا ولم يكن لهم قوة تحميهم ولا تحمي أممهم هل كان ذلك قادحا في نبوتهم وموجبا لان نقول إن أممهم حيث إنه ليس لها قوة تحميها لا وجود لها ولوط ع يقول لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً فكون الأمة التي ليست كذلك لا وجود لها مجرد تزويق وتنميق لا يرجع إلى محصل . واما زعمه ان الأمة أقرب إلى العصمة والاهتداء من كل امام معصوم وتعليله ذلك بان عصمة الامام دعوى وعصمة الأمة بداهة وضرورة بشهادة القرآن . فيكذبه ان عصمة الامام ليست بدعوى بل هي الثابتة بالبداهة والضرورة وشهادة القرآن . وذلك لما أشرنا اليه غير مرة من أن الدليل الدال على عصمة النبي هو بعينه دال على عصمة الامام فالنبي مبلغ للشريعة والامام حافظ لها بعد النبي من الزيادة والنقصان وأمين عليها ومرجع للأمة في أمورها الدينية والسياسية للانفاق [ للاتفاق ] على أن الإمامة رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص من الأشخاص نيابة عن النبي فكما يجب ان يكون النبي معصوما من الذنوب لأن صدور الذنب منه يوجب سقوط محله من القلوب وعدم الوثوق بأقواله وأفعاله وذلك ينافي الغرض المقصود من إرساله . كذلك يجب ان يكون الامام معصوما لهذه العلة بعينها فإنه ان لم يكن معصوما لم يكن مأمونا على الشريعة وعلى أمور الأمة الدينية والدنيوية ولكان وقوع المعصية منه موجبا لسقوط محله من القلوب وعدم الوثوق بأقواله وأفعاله وهو ينافي الغرض المقصود من إمامته . واما شهادة القرآن بعصمة الامام فهي قوله تعالى ( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) والخلافة والإمامة عهد من الله تعالى اتفاقا ولو كانت باختيار الأمة لأن من اختارته الأمة يصير خليفة واجب الإطاعة بأمر الله تعالى عن القائلين بأنها باختيار الأمة لقوله تعالى ( وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) وغير المعصوم ظالم لنفسه فلا يناله هذا العهد إلى غير ذلك من الأدلة المذكورة في كتب الكلام فكان عليه ان يبطلها بالدليل والبرهان لا بمجرد دعوى انها دعوى . ودعواه عصمة الأمة بالبداهة والضرورة بشهادة القرآن باطلة بالبداهة والضرورة وبشهادة القرآن . اما بطلانها بالبداهة والضرورة فيعلم مما مر . واما بطلانها بشهادة القرآن فبقوله تعالى : ( وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) . فهذا نص في أن الأمة بعد نبيها منها من ينقلب على عقبيه ومنها من يكون شاكرا فأين العصمة . والآيات التي ذكرها لا ترتبط بما يحاوله من إثبات عصمة الأمة واستغنائها عن امام معصوم فان الهداية هي إراءة الطريق وقد تفضل الله بها على عباده 201 بما وهب لهم من العقول وأرسل إليهم من الرسل ولكن ذلك لا يكفي عن وجود امام له رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا يكون حافظا للشرع من الزيادة والنقصان ومنصفا للمظلوم من الظالم . واما زعمه ان الأمة بلغت رشدها وانها ارشد من كل امام يدعى له الوصاية عليها ببركة الرسالة وختمها وانها أكرم وأعز وارفع من ذلك فلا تحتاج إلى امام لأن الوصاية تكون على القاصر لا على البالغ الراشد فهو كما سبقه في السخافة فان المسألة ليست مسألة بلوغ سن وحصول رشد بل مسألة احتياج الأمة إلى امام يكون بالصفات الآنفة الذكر وهذا قد اتفق عليه المسلمون فاجمعوا على وجوب نصب الإمام قبل ان يخلق الله صاحب الوشيعة وبعد ما خلقه وانما اختلفوا في أن الامام هل يجب ان يكون معصوما أو لا ، وفي أن نصبه من الله تعالى أو باختيار الرعية وعلى مقتضى كلامه لا حاجة إلى امام لا منصوب من الله ولا من الرعية لا معصوم ولا غير معصوم هذا علم موسى جار الله وهذه أدلته وهذه انظاره التي خالف بها إجماع المسلمين ولم يأت بدليل سوى تكرير عبارات وتسجيع ألفاظ وتجنيسها لا طائل تحتها بل هي كرحى تطحن قرونا تسمع جعجعة ولا ترى طحنا . والأمة قد اتفقت على أنه لا بد لها من امام معصوم أو غير معصوم تكون تحت وصايته إلى الأبد وبين لها صاحب ختم النبوة ذلك بقوله من مات ولم يعرف امام زمانه إلخ . والأمة لم يمنعها عقلها وكمالها ورشدها - الذي يدعيه لها - بعد ختم النبوة من الاختلاف في مسائل الدين والإمرة من الحروب والفتن وضلال جمع منها عن طريق الحق ولا ينافي ذلك وقوع هذا مع وجود الامام لأنهم إذا لم يتبعوه ولم يطيعوا قوله كان الذنب عليهم . والأنبياء أعلى درجة من الامام وقد وقع هذا مع وجودهم وتطاول الأيد لا يزيد الأمة في العقل والرشد والكرامة والعز والرفعة كما نراه بالعيان . بل نرى انها كلما كبرت سنها فقدت رشدها وخرفت وشاخت وولي عليها أمثال يزيد والحجاج وشرب خلفاؤها الخمور وارتكبوا الفجور فاتصفت بالوضيعة ولم تكبر عن طوق الشيعة وسواء أكانت الأمة قد بلغت رشدها أم كبرت وشاخت وأضاعت رشدها فنحن قد رضينا من هذه الأمة أهل بيت نبينا فاتبعنا طريقتهم واهتدينا بهداهم واستننا بسنتهم كما أوصانا رسولنا ( ص ) بقوله اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض . وأنت ترى نفسك في غنى عنهم وتتمسك من الأمة بسواهم فلك ما تمسكت به ولنا ما تمسكنا بهم : نحن بما عندنا وأنت بما عندك * راض والرأي مختلف فظهر ان قوله بعصمة الأمة سخف عار عن التحصيل لم يسبقه اليه عاقل ولا جاهل وانها غير ممكنة ولا معقولة وان المصلحة في عصمة الامام والضرورة والحاجة إليها ظاهرة بينة وانها ممكنة وواقعة وانها تغني الأمة في كل شيء ولا يغني عنها شيء . وأئمته عنده غير معصومة فليفرح بعدم عصمتهم وأئمة أهل البيت ليسوا بأئمته وهو ينكر عصمتهم وهذا الإنكار فرح أكثر من فرح الشيعة . ومن القول بعصمتهم متغيظ . وإذا كان الدليل قادنا إلى اعتقاد عصمتهم فلا نبالي بفرحه ولا بحزنه فليطر بجناحيه إلى مخالفتهم ومنابذة أوليائهم ومحبيهم الذين يمسحون بأرجلهم كما امر بذلك كتاب ربهم ولا يغسلونها . وإذا مت غيره في ولاء أهل البيت بلمحة تقية خوفا من أعدائهم فإنهم يرجون بذلك اجرا عند ربهم وعده الصابرين اما هو فبعيد بقوله هذا عن ولائهم وليس له فيه غرر ولا حجول ولا يريده لا للحاضرة ولا