السيد محسن الأمين
152
أعيان الشيعة ( الملاحق )
الملك الصالح ابن الملك الناصر قلاوون قريتين بمصر ووقفهما على كسوة الكعبة وهما بيسوس وسندبيس واستمرت سلاطين مصر ترسل كسوة الكعبة في كل عام وعند تجدد كل سلطان يرسل مع الكسوة السوداء كسوة حمراء لداخل البيت وكسوة خضراء للحجرة الشريفة النبوية مكتوب على الكل كلمة الشهادتين فلما فتح السلطان سليم مصر والشام جهزت كسوة المدينة على العادة وأمر باستمرار كسوة الكعبة على المعتاد ثم خربت القريتان الموقوفتان على كسوة الكعبة ولم يف ريعهما بها فأمر ان تكمل من الخزائن السلطانية ثم أضاف إلى القريتين قرى أخرى ووقفها انتهى . وأما كسوة الحجرة الشريفة النبوية ففي وفاء الوفا للسمهودي بعد ما ذكر تازيرها بالرخام وعمل الشباك المتخذ من خشب الصندل بأعلى جدارها حكى عن ابن النجار أنه قال ولم تزل على ذلك حتى عمل لها الحسين ابن أبي الهيجاء صهر الصالح وزير الملوك المصريين ستارة من الديبقي الأبيض وعليها الطروز والجامعات المرقومة بالإبريسم الأصفر والأحمر ونيطها وأدار عليها زنارا من الحرير الأحمر مكتوبا عليه سورة يس وغرم عليها مبلغا عظيما فمنعه أمير المدينة قاسم بن مهنى من تعليقها حتى يستأذن المستضيء العباسي فلما جاء الاذن علقها نحو العامين ثم جاءت من الخليفة ستارة من الإبريسم البنفسجي عليها الطرز والجامات البيض المرقومة وعلى دوران جاماتها أسماء الخلفاء الأربعة وعلى طرازها اسم المستضيء فبعثت الأولى إلى مشهد علي ووضعت هذه مكانها ثم أرسل الامام الناصر ستارة من الإبريسم الأسود وطرزها وجاماتها من الإبريسم الأبيض فعلقت فوقها وبعد ان حجت أم الخليفة أرسلت ستارة من الإبريسم الأسود على شكل الأولى فعلقت فوقها فصارت ثلاثا انتهى ما حكاه عن ابن النجار قال وهو يقتضي ان ابن أبي الهيجاء أول من كسى الحجرة وفي كلام رزين انه لما حج الرشيد ومعه الخيزران أمرت بتخليق مسجد النبي ( ص ) وتخليق القبر وكسته الزنانير وشبائك الحرير . وأما قناديل الذهب والفضة وغيرها التي تعلق حول الحجرة الشريفة ففي وفاء الوفا انه لم ير في كلام أحد ابتداء حدوث ذلك قال الا ان ابن النجار قال وفي سقف المسجد الذي بين القبلة والحجرة على رأس الزوار إذا وقفوا معلق نيف وأربعون قنديلا كبارا وصغارا من الفضة المنقوشة والساذجة واثنان بلور وواحد ذهب وفيها قمر من فضة مغموس في الذهب وهذه تنفذ من الملوك وأرباب الحشمة والأموال قال السمهودي واستمر عمل الملوك وأرباب الحشمة إلى زماننا هذا على الإهداء إلى الحجرة الشريفة قناديل الذهب والفضة ثم ذكر السمهودي حال ما يهدى من القناديل وعدده وما جرى له مفصلا مما يطول بذكره الكلام وان بعض أمراء المدينة لما أراد أخذ شيء منه أقام الناس عليه النكير ( وقال أيضا ) واما حكم هذه المعاليق ونحوها من تحلية الصندوق والقائم الذي بأعلاه فحكم معاليق الكعبة الشريفة وتحليتها ثم نقل عن السبكي أنه قال وأما الحجرة الشريفة فتعليق القناديل فيها امر معتاد من زمان ولا شك انها أولى بذلك من غيرها وكم من عالم وصالح قد اتى للزيارة ولم يحصل من أحد انكار لذلك فهذا وحده كاف في جواز ذلك واستقراء الأدلة فلم يوجد فيها ما يدل على المنع ولم نر أحدا قال بالمنع فما وقف من ذلك إكراما لذلك المكان صح وقفه وان اقتصر على اهدائه صح أيضا كالمهدى للكعبة وكذا المنذور له انتهى . 152 الفصل السابع عشر في زيارة القبور وقد منع ابن تيمية من زيارة النبي ( ص ) وحرمها مطلقا مع شد الرحال وبدونه فضلا عن زيارة غيره حكى ذلك عنه القسطلاني في إرشاد الساري وابن حجر الهيتمي في الجوهر المنظم وقال بل زعم حرمة السفر لها إجماعا وانه لا تقصر فيه الصلاة وسيأتي نقل كلامهما وبعض الوهابيين حرم شد الرحال إليها وحينئذ فيقع الكلام فيها في مبحثين أصل مشروعيتها وشد الرحال إليها . ( المبحث الأول في أصل مشروعية زيارة القبور وفيه مقامان ) ( المقام الأول في زيارة قبر النبي ص ) وتدل على مشروعيتها أدلة الشرع الأربعة ( الأول الكتاب العزيز ) وهو قوله تعالى وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً فان الزيارة هي الحضور الذي هو عبارة عن المجيء اليه ( ص ) سواء كان لطلب الاستغفار أو بدونه والتسليم لا يدخل في معناها وإذا ثبت رجحان ذلك في حال حياته ثبت بعد مماته لما دل على حياته البرزخية وسماعه تسليم من يسلم عليه وعرض الأعمال عليه كما مر في المقدمات قال السبكي فيما حكاه عنه السمهودي في وفاء الوفا : « 1 » . والعلماء فهموا من الآية العموم لحالتي الموت والحياة واستحبوا لمن اتى القبر ان يتلوها قال وحكاية الأعرابي في ذلك نقلها جماعة من الأئمة عن العتبي واسمه محمد بن عبيد الله بن عمرو أدرك ابن عيينة وروى عنه وهي مشهورة حكاها المصنفون في المناسك من جميع المذاهب واستحسنوها ورأوها من أدب الزائر وذكرها ابن عساكر في تاريخه وابن الجوزي في مثير الغرام الساكن وغيرهما بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال دخلت المدينة فأتيت قبر النبي ( ص ) فزرته وجلست بحذائه فجاء اعرابي فزاره ثم قال يا خير الرسل ان الله انزل عليك كتابا صادقا قال فيه وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الآية إلى آخر ما في فصل التوسل ثم ذكر السمهودي هذه القصة بطريقين آخرين عن علي ( ع ) لا نطيل بذكرهما فليطلبهما من أرادهما . ( الثاني السنة ) والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة نقلها السمهودي في وفاء الوفا « 2 » . ونقلها غيره ونحن ننقلها منه وربما نترك بعض أسانيدها وقد تكلم هو على أسانيدها بما فيه كفاية . ( 1 ) الدارقطني في السنن وغيرها والبيهقي وغيرهما بالأسانيد من طريق موسى بن هلال العبدي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال رسول الله ( ص ) من زار قبري وجبت له شفاعتي . ( 2 ) البزار من طريق عبد الله بن إبراهيم الغفاري عن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ( ص ) من زار قبري حلت له شفاعتي . ( 3 ) الطبراني في الكبير والأوسط والدارقطني في أماليه وأبو بكر بن
--> ( 1 ) صفحة 411 ج 2 ( 2 ) صفحة 394 - 402 ج 2