السيد محسن الأمين
143
أعيان الشيعة ( الملاحق )
الأمة وتقتدي بالحسن منه وتتجنب القبيح ( ومن الغرائب ) ما يحكى عن شارح كتاب التوحيد لابن عبد الوهاب أنه قال بعد ذكر الآية هذا دليل على أن الذي غلبوا هم الكفار إذ لو كانوا مؤمنين ما أرادوا ان يتخذوا على قبور الصالحين مسجدا لأن النبي ( ص ) لعن فاعل ذلك انتهى فكان معتقدات الوهابية عن هذا الرجل وحي منزل فلذلك تكون ناسخة للقرآن الكريم ويجب حمله عليها ولا يجوز تطبيقها عليه وهل يلتفت إلى هذا الاحتمال السخيف بعد أطباق المفسرين على خلافه ومنه ابن عباس ترجمان القرآن وإمام المفسرين ومخالفته لظاهر الآية وسياقها كما يفهم مما مر مع أن ظاهر قوله تعالى : ( إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ) ان الجميع كانوا متفقين على البناء الذي يحرمه الوهابية وانما كان التنازع في كيفيته فالوهابيون بمنعهم البناء على القبور قد خالفوا المسلمين والكافرين وقد نجى الله ذلك الملك المسلم ورعيته المسلمين في حياتهم فلم يكن في زمانهم وهابية والا لكفروهم بعد إسلامهم وشركوهم بعد توحيدهم لبنائهم مسجدا على أهل الكهف وتبركهم بهم لكنهم لم يسلموا من الوهابيين بعد موتهم وبعد ان مضى على موتهم ألوف مؤلفة من السنين فكفروهم بعد ما صاروا ترابا في قبورهم . ومما يدل على جواز بناء المساجد على القبور ما في وفاء الوفا للسمهودي « 1 » عن ابن شبة عن عبد العزيز بن عمران بسنده إلى محمد بن علي بن أبي طالب في حديث ذكر فيه وفاة فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب ( إلى أن قال ) فلما توفيت خرج رسول الله ( ص ) فأمر بقبرها فحفر في موضع المسجد الذي يقال له اليوم قبر فاطمة ( الحديث ) قال السمهودي وقوله في موضع المسجد إلخ يقتضي انه كان على قبرها مسجد يعرف به في ذلك الزمان انتهى ( وقوله ) في موضع المسجد إلخ الظاهر أنه من كلام ابن الحنفية المتوفى سنة 81 فيكون المسجد قبل ذلك وفي وفاء الوفا « 2 » قال عبد العزيز الغالب عندنا ان مصعب بن عمير وعبد الله بن جحش دفنا تحت المسجد الذي بني على قبر حمزة انتهى وقال قبل ذلك « 3 » سيأتي عن عبد العزيز بن عمران انه كان على قبر حمزة قديما مسجد وذلك في المائة الثانية انتهى . الفصل الثاني عشر ( في الاسراج على القبور ) وهذا مما منعه الوهابية محتجين بالحديث المتقدم في الفصل السابق ( لعن الله زوارات القبور أو زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ) واستنادا إلى هذه الرواية منع الوهابيون إضاءة قبر النبي ( ص ) هذه السنة أعني سنة 1346 بعد ما كانوا يضيئونه في العام الماضي على ما أخبرنا به الحجاج ( والجواب ) عن هذا الحديث بضعف السند كما بيناه في الفصل السابق ومع تسليم السند فهو محمول على صورة عدم المنفعة لانصرافه إلى 143 ذلك فيكون تضييعا للمال أو على غير قبور الأنبياء والأولياء الذين دل الشرع على رجحان تعظيمهم احياء وأمواتا اما اسراجها لقراءة القرآن والأدعية والصلاة وانتفاع الزائرين والبائتين فيهما فليس مكروها ولا محرما للنفع الظاهر في ذلك فيكون من التعاون على البر والتقوى المأمور به في الكتاب المجيد ويكون نظير ما حكي عن الترمذي انه روى عن ابن عباس ان النبي ( ص ) دخل قبرا ليلا فأسرج له سراج قال العزيزي في شرح الجامع الصغير « 4 » في شرح قوله ( والسرج ) : محل ذلك حيث لا ينتفع بها الأحياء ( إلى أن قال ) فإن كان هناك من ينتفع به صح ذلك انتهى وقال السندي في حاشية سنن النسائي : والنهي عنه لأنه تضييع مال بلا نفع انتهى فدل على أنه لا نهي حيث يكون هناك نفع ( وقال ) الشيخ الحفني في حاشية الجامع الصغير يحرم إسراج القنديل على قبر الولي ونحوه حيث لم يكن ثم من ينتفع به لما فيه من إضاعة المال لا لغرض شرعي انتهى . الفصل الثالث عشر ( في الدعاء والصلاة عند القبر الشريف وغيره ) والتوجه اليه عند الدعاء وهذا أيضا مما منعه الوهابية وجعلوه شركا وكفرا ( وقال ) قدوتهم ابن تيمية في رسالة زيارة القبور « 5 » . ان الصحابة كانوا إذا جاءوا عند قبر النبي ص يسلمون عليه فإذا أرادوا الدعاء لم يدعوا الله مستقبلي القبر الشريف بل ينحرفون ويستقبلون القبلة ويدعون الله وحده كما في سائر البقاع ( اي لا يتوسلون بالنبي ص ) ( إلى أن قال ) ولهذا لم يذكر أحد من أئمة السلف ان الصلاة عند القبور وفي مشاهدها مستحبة ولا ان الصلاة والدعاء هناك أفضل منهما في غيرها بل اتفقوا كلهم على أن الصلاة في المساجد والبيوت أفضل منها عند قبور الأنبياء والصالحين سميت مشاهد أو لم تسم ثم ذكر بعض الآيات والأخبار الواردة في المساجد كقوله تعالى إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ وقوله ( ص ) من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة وقال إنه لم يرد مثلها في المشاهد انتهى . ( ونقول ) يدل على جواز الصلاة والدعاء عند قبر النبي ( ص ) وقبور سائر الأنبياء والصالحين عموم واطلاق ما دل على جواز الصلاة والدعاء في كل مكان ويدل على رجحان ذلك ما فهم من الشرع من رجحان الصلاة والدعاء ومطلق العبادة في كل مكان ثبت شرفه في الشرع ولا شك في تشرف المكان بالمكين الموجب لتشرف قبر رسول الله ( ص ) بحلول جسده الشريف فيه ويدل عليه عمل المسلمين خلفا عن سلف ويدل على رجحان الدعاء عند قبر النبي ( ص ) قوله تعالى وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ الآية الشامل لحالتي الحياة والموت وان حرمته ( ص ) ميتا كحرمته حيا كما قاله مالك للمنصور على ما مر في التوسل وذكر جميع علماء المسلمين من أهل المذاهب له في كتب المناسك وذكرهم الدعاء المشتمل على الاستشهاد بالآية المذكورة كما مر ولنعم ما قال شمس الدين الجزري في الحصن الحصين على ما حكي عنه ان لم يجب الدعاء عند النبي ( ص ) ففي اي موضع يستجاب انتهى وسيأتي في فصل زيارة القبور ان
--> ( 1 ) صفحة 88 ج 2 . ( 2 ) صفحة 115 ج 2 . ( 3 ) صفحة 105 ج 2 . ( 4 ) صفحة 198 ج 3 . ( 5 ) صفحة 159 - 160