السيد محسن الأمين

144

أعيان الشيعة ( الملاحق )

فاطمة ع كانت تزور قبر عمها حمزة في كل جمعة فتصلي وتبكي عنده ( وفي رواية ) انها كانت تزور قبور الشهداء بأحد بين اليومين والثلاثة فتصلي هناك وتدعو وتبكي وابن تيمية يقول لم يذكر أحد من أئمة السلف ان الصلاة عند القبور وفي مشاهدها مستحبة ( واما استقباله ( ص ) عند الدعاء ) فلا مانع منه لقوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ بل هو راجح بقصد التبرك بمواجهته المرجو معها استجابة الدعاء وبقصد التوسل والتشفع به الثابت رجحانه كما بيناه في تضاعيف ما مر بل يدل قول الإمام مالك للمنصور المتقدم في فصل التوسل على أن استقباله ( ص ) أفضل من استقبال القبلة أو مساو له ولا ينافي ذلك ما دل على أن أفضل الجهات جهة القبلة لأن العام يخصص والمطلق يقيد وفي قول المنصور لمالك أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله ( ص ) دلالة واضحة على أن الدعاء عند القبر الشريف كان مشهورا معروفا لا يشك أحد في رجحانه وانما الذي توقف فيه المنصور ان استقبال القبلة حال الدعاء أفضل أم استقبال القبر ( أما ) قول ابن تيمية لم يقل أحد من أئمة المسلمين ان الصلاة والدعاء عند القبور وفي مشاهدها أفضل منها في غيرها فيكذبه خبر مالك إمام دار الهجرة مع المنصور المشار اليه واما كون الصلاة والدعاء عند القبور وفي مشاهدها أفضل منهما في غيرهما فيكفي فيه ما دل على شرف تلك البقاع بشرف من دفن فيها الذي صار ملحقا بالضروريات في شرع الإسلام كما شرف جلد الشاة بكونه جلدا للمصحف وما الذي يمنع من الصلاة لله عندها والأرض كلها لله تعالى وقد قال النبي ( ص ) جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا والصلاة جائزة في كل بقاع الأرض سيما الشريفة منها بعد أن تكون لله تعالى والممنوع منه الصلاة إلى القبر تعظيما له أو السجود له كما مر في فصل اتخاذ المساجد على القبور اما الصلاة بقربة تبركا بالمكان المدفون فيه فلا مانع منها لثبوت شرف المكان بالمكين ضرورة كما تكرر ذكره والعبادة لله لا للقبر كما أن الصلاة لله في المسجد طلبا لشرف المكان مستحبة وليست عبادة للمسجد فالمسلمون يصلون عند قبور شرفت بمن دفن فيها لتنالهم بركة أصحابها الذين جعلهم الله مباركين كما يصلون عند المقام الذي هو حجر شرف بملامسة رجل إبراهيم الخليل ( ع ) لقوله تعالى : ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ) الذي يفهم منه ان سبب اتخاذ المصلى عنده تبركه بقيامه عليه ويدعون الله عندها لشرفها أيضا بمن دفن فيها فيكون دعاؤهم عندها أرجى للإجابة كالدعاء في المسجد أو الكعبة أو أحد الأمكنة أو الأزمنة التي شرفها الله ولكن ابن تيمية تعود سرد الدعاوي المنفية بلا دليل بل مصادمة للضرورة وتتابع أدوات النفي لترويج مدعياته كما أن دعواه اتفاق أئمة السلف كلهم على أن الصلاة في البيوت أفضل منها عند قبور الأنبياء والصالحين دعوى مجردة عن الدليل فمن هو الذي صرح بذلك من أئمة السلف فضلا عن كلهم فليأتنا بواحد منهم ان كان من الصادقين ( وعن الخصائص الكبرى للسيوطي ) في قصة المعراج عن النبي ( ص ) قال فركبت ومعي جبرئيل فسرت فقال انزل فصل ففعلت فقال أتدري اين صليت صليت بطور سينا حيث كلم الله موسى ثم قال انزل فصل ففعلت فقال أتدري اين صليت صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى انتهى ومنه يفهم ان محل ولادة عيسى ينبغي الصلاة فيه كطيبة وطور سينا لفضله وبركته بولادة عيسى فيه أفلا يكون المكان الذي بورك بوجود جسد النبي ( ص ) فيه مباركا مستحقا لاستحباب الصلاة وعبادة الله تعالى فيه ولا 144 يكون مكان ولادة النبي ( ص ) مستحقا لأن يتبرك به بل مستحقا للهدم والمحو كما فعلته الوهابية به ( وقال ابن القيم ) تلميذ ابن تيمية في كتابه زاد المعاد على ما حكي عنه : ان عاقبة صبر هاجر وابنها على البعد والوحدة والغربة والتسليم إلى ذبح الولد آلت إلى ما آلت اليه من جعل آثارهما ومواطئ اقدامهما مناسك لعبادة المؤمنين ومتعبدات لهم إلى يوم القيامة انتهى فإذا كانت آثار إسماعيل وهاجر لأجل ما مسهما من الأذى مستحقة لجعلها مناسك ومتعبدات فاثار أفضل المرسلين الذي قال ما أوذي نبي قط كما أوذيت لا تستحق ان يعبد الله فيها وتكون عبادة الله عندها والتبرك بها شركا وكفرا . وقد كانت عائشة ساكنة في الحجرة التي دفن النبي ( ص ) وبقيت ساكنة فيها بعد دفنه ودفن صاحبيه وكانت تصلي فيها وذلك يبطل قول الوهابية بعدم جواز الصلاة عند القبور كما مر في فصل البناء على القبور الفصل الرابع عشر ( في تعظيم القبور وأصحابها والتبرك بها ) بما لم ينص الشرع على تحريمه ( من لمس وتقبيل لها ولأعتاب مشاهدها وتمسح بها وطواف حولها ونحو ذلك ) وهذا مما منعه الوهابية وكفروا به المسلمين وأشركوهم وسموهم القبوريين وعباد القبور ونحو ذلك صرح به الصنعاني في كلامه السابق في الباب الأول حيث عد الطواف بالقبور والتبرك والتمسح بها من موجبات الشرك وانه كفعل أهل الجاهلية للأصنام والأوثان والوهابيون في كتابهم إلى شيخ الركب المغربي المتقدم هناك حيث جعلوا تعظيم قبور الأنبياء والأولياء ببناء القباب والاسراج والصلاة عندها وغير ذلك من الشرك وعبادة الأوثان وصرح بذلك أيضا غير من ذكر . ( ونقول ) تعظيم قبور الأنبياء والصلحاء بل وسائر المؤمنين وأصحابها احياء وأمواتا بما لم ينص الشرع على تحريمه « 1 » راجح عقلا وشرعا لا مانع منه ولا محذور فيه لأنه من تعظيم شعائر الدين ( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) ولم يدل دليل على تحريمه قيبقى [ فيبقى ] داخلا في العموم مع حكم العقل بحسن تعظيم كل قريب إلى الله حيا وميتا ولا يعد ذلك عبادة لها كما توهمه الوهابية لأنه ليس كل تعظيم أو خضوع أو تذلل بقيام أو غيره يكون عبادة ويوجب شركا وكفرا أو يكون محرما فقد عرفت في المقدمات ان العبادة المنهي عنها لغير الله والتي توجب الشرك والكفر ليست العبادة اللغوية قطعا التي تشمل مطلق التعظيم والخضوع وان تعظيم القبور ومن فيها والقيام والخضوع عندها لا يدخل في ذلك بل تعظيمها عبادة وطاعة لله تعالى لأن تعظيم من عظمه الله طاعة لله وعبادة وتعظيم له وخضوع له كما مر في المقدمات وليس عبادة للمعظم موجبة للشرك والكفر ( أما ) ان الأنبياء والصلحاء ممن يستحق التعظيم عنده تعالى وان لهم حرمة وشانا وشرفا

--> ( 1 ) مثل السجود لها والصلاة إليها كما يصلى إلى الوثن ( المؤلف ) .