السيد محسن الأمين

133

أعيان الشيعة ( الملاحق )

وعلماء الأثر وجل من كتب في التراجم ان الأئمة زين العابدين والباقر والصادق ع دفنوا في قبة الحسن ع والعباس رضوان الله عليه بالبقيع وكانت وفاة زين العابدين ( ع ) سنة 59 [ 95 ] ووفاة الباقر ع في أوائل المائة الثانية في العشر الثاني منها ووفاة الصادق ( ع ) سنة 148 كما ذكروا بناء القباب والمشاهد على جملة من القبور قبل المائة الخامسة ( مثل ) ان الإمام علي بن موسى الرضا دفن في القبة التي دفن فيها هارون الرشيد بطوس في دار حميد بن قحطبة الطائي ويظهر ان الذي بنى تلك القبة على الرشيد هو ولده المأمون وكان كما عن السيوطي أمارا بالعدل فقيه النفس يعد من كبار العلماء انتهى وكان عصره حافلا بالعلماء وأئمة الدين منهم الإمام علي بن موسى الرضا امام أهل البيت ووارث علوم جده وآبائه الذي كان يصدر المأمون عن رأيه وعمل له الرسالة الذهبية ومسائله له مشهورة في مشكلات علوم الدين ولما رآه يتوضأ والغلام يصب على يديه الماء قال له يا أمير المؤمنين لا تشرك بعبادة ربك أحدا فصرف الغلام فلو كان البناء على القبور محرما لنهاه عن بناء القبة على قبر الرشيد مع أنه لم ينهه بل أوصى ان يدفن في تلك القبة ومنهم الامامان الشافعي واحمد من أئمة المذاهب الأربعة وسفيان بن عيينة وغيرهم ولم ينقل ان أحدا أنكر عليه مع أنهم أنكروا عليه القول بخلق القرآن وصبروا على الحبس والضرب ولم يوافقوه عليه ( ومثل ) ان نهشل بن حميد الطوسي بنى قبة على قبر أبي تمام حبيب بن أوس الطائي الشاعر المشهور المتوفى 230 بالموصل ( وانها ) بنيت قبة على قبر بوران بنت الحسن بن سهل المتوفاة سنة 271 وان معز الدولة البويهي المتوفى سنة 393 دفن أولا في داره ثم نقل إلى مشهد بني له في مقابر قريش إلى غير ذلك من ما يقف عليه المتتبع ويطول الكلام باستقصائه وكل ذلك يكذب ما زعمه الوهابية من أن البناء على القبور حدث بعد المائة الخامسة ويبين انهم يرسلون الكلام على عواهنه ويكيلون الدعاوي جزافا ويدل على مبلغهم من العلم وجهلهم بالتأريخ . وعن تاريخ الخلفاء للسيوطي ان المتوكل في 236 أمر بهدم قبر الحسين وهدم ما حوله من الدور وان يعمل مزارع ومنع الناس من زيارته وخرب وبقي صحراء وكان المتوكل معروفا فتألم المسلمون من ذلك وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد وهجاه الشعراء فمما قيل في ذلك : تالله ان كانت أمية قد أتت * قتل ابن بنت نبيها مظلوما فلقد أتاه بنو أبيه بمثله * هذا لعمري قبره مهدوما اسفوا على أن لا يكونوا شاركوا * في قتله فتتبعوه رميما وعن المسعودي ان المتوكل أمر في سنة 236 المعروف بالديزج بالمسير إلى قبر الحسين بن علي وهدمه وإزالة اثره وان يعاقب من وجد به فبذل الرغائب لمن يقدم على ذلك فكل خشي عقوبة الله فاحجم فتناول الديزج مسحاة وهدم أعالي قبر الحسين فحينئذ أقدم الفعلة على العمل ولم يزل الأمر على ذلك حتى استخلف المنتصر انتهى ( وهذا ) صريح في أن قبر الحسين ( ع ) كان مبنيا بناء عاليا مشيدا لقوله فهدم أعالي القبر وان هدم قبور عظماء الدين كان معلوما عند المسلمين قبحه ومغروسا ذلك في نفوسهم فلذلك لم يقدم الناس على هدم قبر الحسين ( ع ) مع بذل الرغائب ولذلك قبح جميع المسلمين فعل المتوكل وكتبوا هجاءه على الحيطان وعد فعله هذا من قبائحه 133 الشنيعة وذمه بذلك كل من كتب في التاريخ فالوهابية اقتدوا في أعمالهم بالمتوكل المعروف الذي ساء جميع المسلمين بعمله هذا كما ساءوا هم جميع المسلمين بعملهم ثم أخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر فسلط عليه الأتراك فقتلوه برأي ولده المنتصر شر قتلة . ومن ذلك كله يعلم أن البناء على القبور لاحقا وسابقا غير محرم وانه راجح إذا كان على قبر نبي أو ولي أو عالم أو عابد أو غيرهم ممن يكون تعظيمه من تعظيم شعائر الله تعالى وهذا الوجه مما يهدم كل أساس بنى عليه الوهابية شبهاتهم ولا يرتاب فيه الا مكابر معاند فإنك إذا أحطت علما بما سردناه عليك من تاريخ بناء الحجرة الشريفة النبوية من مبدأ أمرها إلى يومنا هذا وما بني على قبور الصحابة والأئمة والأولياء والصلحاء والشعراء والأمراء وبعض النساء وغيرهم علمت أن المسلمين عموما من الصدر الأول إلى اليوم من جميع النحل والمذاهب الإسلامية متفقون على جواز البناء على القبور وعقد القباب عليها عدا الوهابية فإنهم مخالفون لما عليه الأمة الإسلامية جمعاء ولمذهب السلف الذين يتغنون دائما بأنهم متبعون له حيث علمت أن الصحابة جميعا ومنه الخلفاء الأربعة اتفقوا على دفنه ( ص ) في بيته وحجرته التي كان يسكنها مع زوجته عائشة وهي مبنية مسقفة ولو كان البناء على القبور غير جائز لما خفي على الصحابة عموما ولو حرم ابتداء لحرم استدامة ثم دفن أبو بكر وعمر مع النبي ( ص ) في تلك الحجرة وعد ذلك أعظم منقبة لهما ثم بنت عائشة حائطا في تلك الحجرة بينها وبين القبر الشريف وقد رويتم انه ( ص ) قال خذوا ثلثي دينكم عن عائشة ثم جدد بناء الحجرة الشريفة عمر بن الخطاب وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز صالح بني أمية وعادلهم وزاهدهم ومعيد رونق الخلافة بعد ما صارت ملكا عضوضا ورافع السب عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع وراد فدك إلى أولاد فاطمة تورعا ثم تتابع ملوك الإسلام وأمراؤهم في بناء الحجرة الشريفة والقبة المنيفة جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر وخلفا عن سلف متقربين بذلك إلى الله راجين ثوابه مفتخرين به امام رعاياهم وكان في أعصارهم وفي المدينة المنورة من العلماء والصلحاء وأهل الفضل والدين ما لا يحصى عددهم ولم يسمع من أحد انه لامهم على هذا الفعل أو خطاهم فيه أو منعهم منه من العلماء الذين كانت لهم الكلمة النافذة عند الملوك والأمراء وليس ترك ذلك شيئا مخلا بسلطنتهم وسياستهم للملك حتى يخافهم العلماء فيه بل هو امر ديني محض لا يخالفهم فيه ملك ولا أمير ولا يخرج قصد الملوك والأمراء في ذلك عن أحد أمرين طلب الثواب منه تعالى والفخر عند الناس وكل ذلك لا يتم لهم مع نهي العلماء عنه وتحريمه فإذا لم يكن هذا الأمر الذي اتفق عليه الصحابة من صدر الإسلام والتابعون وتابعو التابعين وعلماء المسلمين وعامتهم وملوكهم وصعاليكهم خلفا عن سلف وجيلا بعد جيل قطعيا ولا إجماعيا ففي اي حكم في الشريعة يمكن دعوى القطع والإجماع وإذا لم يكن السلف قدوة في مثل هذا ففي اي شيء يقتدى بهم ويقول المرء عن نفسه انه سلفي على عادة الوهابيين . ( رابعها ) ان حرمة قبور الأنبياء والصلحاء بل كل مسلم وفضلها وشرفها وبركتها ملحق بالضروريات عند الصحابة والتابعين وتابعيهم وجميع المسلمين لا يرتاب في ذلك أحد كما سيأتي في الفصل الثالث عشر وإذا كان