السيد محسن الأمين
134
أعيان الشيعة ( الملاحق )
لها حرمة ومنزلة وشرف وبركة عند الله تعالى وجب أو رجح فعل كل ما يوجب احترامها وتعظيمها من زيارتها والبناء عليها وحفظها عن دوس الأقدام وروث الدواب والكلاب وغير ذلك لأن ذلك من تعظيم شعائر الله وحرماته وحرم كل ما يوجب اهانتها واحتقارها وامتهانها من هدمها وهدم حجرها وقبابها وجعلها معرضا لوطئ الأقدام وروث الدواب والكلاب ووقوع القاذورات فان ذلك كله لا شك انه إهانة لها ولأهلها فإذا ثبت ذلك وجب طرح كل حديث ناه عن البناء على القبور أو أمر بهدمها لو فرض وجوده أو تخصيصه بغير قبور الأنبياء والأولياء والعلماء والصلحاء لأن ذلك إهانة لهم وقد دل العقل والنقل على حرمة اهانتهم ووجوب تعظيمهم احياء واموتا [ أمواتا ] ( لا يقال ) انما يكون تعظيم تلك القبور راجح لو لم يكن كفرا وشركا بكونه عبادة لها كعبادة الأصنام ( لأنا نقول ) بعد ما ثبت ان لها شرفا وحرمة عند الله تعالى بما بيناه لا يكون تعظيمها عبادة لها ولا كفرا ولا شركا بل تعظيمها تعظيم لله تعالى وعبادة له كتعظيم الكعبة والحرم والحجر الأسود والمساجد والمقام وكل شيء امر الله بتعظيمه من المخلوقات وقياس ذلك بعبادة الأصنام التي لم يجعل الله لها حرمة بوجه من الوجوه قياس فاسد كما أوضحناه مرارا ( لا يقال ) انما يكون بناؤها والبناء عليها تعظيما لها لو لم يرد النهي الموجب لكونه محرما ولا تعظيم بمحرم وانما يكون هدمها وهدم ما بني عليها إهانة لو لم يرد الأمر به الموجب لكونه طاعة وهو عين الاحترام لها ولأصحابها بتنفيذ ما امر الله به فيها ( لأنا نقول ) كون بنائها والبناء عليها في نفسه احتراما لها ولأصحابها وهدمها وهدم ما بني عليها في نفسه إهانة لها ولأصحابها عرفا مع قطع النظر عن ورود النهي والأمر مما لا يشك فيه أحد وبعد ما ثبت بالدليل القطعي السابق وجوب احترامها وحرمة اهانتها لا يمكن ان يكون النهي عن البناء والأمر بالهدم شاملا لها بل هو اما مطروح أو خاص بغيرها أو مصروفا اليه لأن الظن لا يعارض اليقين . ( خامسها ) ان وجوب مودة أهل البيت ع واحترامها وحرمة اهانتهم احياء وأمواتا مما نطق بها الكتاب العزيز في قوله تعالى : ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) وفسرت الآية مع ظهورها في نفسها السنة النبوية بان المراد بالقربى هم أهل البيت الطاهر النبوي مما لا يسع المقام ذكره فلا ينافي ذلك تمحلات ابن تيمية وتأويلاته على عادته في الاجتهاد في محو كل فضيلة ومنقبة لأهل البيت الطاهر اما بإنكار الحديث ولو استفاض واشتهر أو تواتر أو بتأويله أو بدفعه بالاستبعادات « 1 » ونطقت بها السنة الطاهرة كما في حديث الثقلين وغيره مما ليس هذا محل ذكره ومن مودتهم واحترامهم احترام قبورهم وحفظها بالبناء عليها عن أن تداس 134 بالأقدام أو تكون معرضا لدخول الدواب والكلاب إليها وتوسيخها وتنجيسها ووقوع القاذورات عليها وعدم اهانتهم بهدم قبورهم وقبابهم المشيدة فان هدم قبر النبي أو الولي يعد في العرف إهانة له وأي إهانة واحترام المؤمن فضلا عن النبي واجب حيا وميتا ومن احترامه ميتا النهي عن الجلوس على قبره والاتكاء عليه والاستناد اليه ووطئه بالأقدام كما مر في هذا الفصل وفي وفاء الوفا « 2 » . روى ابن زبالة ويحيى من طريقه عن غير واحد منهم عبد العزيز بن أبي حازم ونوفل بن عمارة قالوا كانت عائشة تسمع صوت الوتد والمسمار يضرب في بعض الدور المطيفة بالمسجد فترسل إليهم لا تؤذوا رسول الله ( ص ) قالوا وما عمل علي مصراعي داره الا بالمناصع « 3 » توقيا لذلك ( وقال ) قبل ذلك ان عمر قال إن مسجدنا هذا لا ترتفع فيه الأصوات وقال أبو بكر لا ينبغي رفع الصوت على نبي حيا ولا ميتا انتهى ولا يخفى تبدل العناوين بحسب الزمان والمكان والأشخاص فتتبدل لذلك الأحكام ( فالأخبار ) المتوهم دلالتها على خلاف ذلك مهجورة متروكة عند جميع المسلمين أو مصروفة إلى غير قبورهم الشريفة وقبابهم المنيفة والأسئلة التي أوردناها على الوجه الرابع يمكن ان تورد هنا والجواب الجواب . بناء الحجرة الشريفة والقبة المنيفة النبوية ( من ابتداء أمرها إلى اليوم ) اما ما وعدنا به من شرح وتفصيل بناء الحجرة الشريفة والقبة المنيفة النبوية من ابتداء أمرها إلى يومنا هذا فنقول : كانت الحجرة الشريفة التي دفن فيها رسول الله ( ص ) هي البيت الذي كانت تسكنه عائشة أم المؤمنين قال السمهودي في وفاء الوفا « 4 » كان من لبن وجريد النخل ثم حكى عن عمران بن أبي أنس ان بيوت النبي ( ص ) كانت أربعة بلبن لها حجر من جريد ( قال ) وبيت عائشة أحد الأربعة ثم حكى عن رواية ابن سعد انه لم يكن عليه حائط زمن النبي ( ص ) وان أول من بنى عليه جدارا عمر بن الخطاب ( قال ) وليحمل على أن حجرة الجريد التي كانت مضافة له أبدلها عمر بجدر جمعا بين الروايات ( انتهى ) وبقيت عائشة ساكنة في ذلك البيت بعد دفن النبي ( ص ) ودفن أبي بكر وعمر فلما دفن عمر بنت بينها وبين القبور جدارا فكان عمر أول من بنى جدار الحجرة الشريفة وثنته عائشة ( قال السمهودي ) في وفاء الوفا « 5 » روى ابن زبالة عن عائشة ( رض ) انها قالت ما زلت أضع خماري وأتفضل في ثيابي حتى دفن عمر فلم أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جدارا ( قال ) وعن المطلب كانوا يأخذون من تراب القبر فأمرت عائشة بجدار فضرب عليهم وكانت في الجدار كوة فكانوا يأخذون منها فأمرت بالكوة فسدت ( قال ) وقال ابن سعد في طبقاته بسنده عن مالك بن انس قسم بيت عائشة
--> ( 1 ) كما دفع حديث ان قتل علي لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين تارة بتضعيف سنده وانه موضوع وتارة بأنه كيف يكون قتل كافر أفضل من عبادة الثقلين ومنهم الأنبياء وأخرى بان عمرو بن عبد ود لم يعرف له ذكر الا في هذه الغزوة ( ورده ) صاحب السيرة الحلبية بان قتله كان فيه نصرة الدين وخذلان الكافرين وبان عمرو بن عبد ود قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد أحدا فلما كان يوم الخندق خرج معلما جعل له علامة يعرف بها ليرى مكانه انتهى وأي عمل من الأعمال يعادل ضربته لعمرو بن عبد ود يوم الخندق حين عبر الخندق معلما يطلب البراز فجبن عنه الناس كلهم الا علي وأي خذلان كان يقع على الإسلام لو لم يقتل علي عمرا فتلك الضربة أعز الإسلام وقويت شوكته واشتد ساعده وابن تيمية يوهن أمرها ويصغره ( فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ . يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ) - المؤلف . ( 2 ) صفحة 398 ج ل ( 3 ) في القاموس النصع مثلثة جلد ابيض أو ثوب انتهى وليس فيه ما يناسب المقام غير هذا ( المؤلف ) . ( 4 ) صفحة 383 - 390 ج ل طبع مصر . ( 5 ) ج ل صفحة 385 .