السيد محسن الأمين

108

أعيان الشيعة ( الملاحق )

طلبها من الله تعالى بقوله اللهم شفعه في أو ارزقني شفاعته مع تسليمه بأنه ( ص ) قادر عليها وان له الشفاعة وانه الشفيع المشفع وهنا يقول لا ننكر الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه فأي جهل وتنقض وتهافت أعظم من هذا وهو مع ذلك يقول سبحان من طبع على قلوب أعدائه مع أنك عرفت مرارا ان الاستغاثة الحاصلة بالمخلوق ليست الا فيما يقدر عليه وهو الدعاء والشفاعة وان عبر بقوله ارزقني واشف مريضي وغير ذلك كما مر آنفا ( لا يقال ) انما منع من طلب الشفاعة من النبي ( ص ) تمسكا بقوله تعالى لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً . فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً فيكون عدم جواز طلبها منه وان كان قادرا عليها لنص شرعي تعبدي وهو الآيتان الشريفتان ( لأنا نقول ) معنى الآية الأولى كما عرفت في الفصل الأول ليس عدم جواز طلب الشفاعة منه ( ص ) بل إنه تعالى مالك أمرها فلا يشفع عنده أحد الا باذنه والا لمن ارتضى ولا يلجئه أحد إلى قبول شفاعته كما يقع من المخلوقين المنهي عنه في الآية الثانية دعاء مخصوص لا مطلق الدعاء كما عرفته في هذا الفصل ( وأول ) كلامه بالنسبة إلى الاستغاثة وغيرها مطلق شامل للمقدور وغيره مع أنه في مقام البيان ولكن لما اعترض عليه بالاستغاثة بالأنبياء يوم القيامة التي لم يجد لها جوابا قيد حينئذ الاستغاثة الممنوعة بغير المقدور والا فما باله لم يقيدها من أول الأمر ويسلم من الاعتراض مع كونه في مقام البيان ( ومنه ) يظهر بطلان جواب الصنعاني السابق الراجع إلى التفصيل بين الاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه وغيرها لما عرفت من أن الاستغاثة الحاصلة لا تخرج عن المقدور ( قوله ) واما بعد مماته فحاش وكلا انهم سألوا ذلك فيه انه يناقض قوله الأول : ونحن أنكرنا استغاثة العباد عند قبور الأنبياء والأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها الا الله فإنه يدل على أن الموجب للإنكار كونها لا يقدر عليها الا الله وحينئذ فلا فرق بين طلبها من الحي أو الميت فلو طلب من الحي ما لا يقدر عليه الا الله لكان شركا عنده وقوله وأما بعد مماته فحاش وكلا إلخ يدل على عدم جواز طلب شيء من الميت مطلقا ولو كان مما يقدر عليه غير الله كالدعاء والشفاعة وهو تناقض ظاهر فتارة جعل المناط عدم قدرة غير الله وتارة الحياة والموت والغيبة والحضور ( كما ) ان تقييد الصنعاني بالأحياء مشعر بعدم جواز الاستغاثة بالأموات حتى في المقدور ( وكيف ) كان فقد عرفت ان التفصيل بين ما يقدر عليه غير الله وما لا يقدر عليه الا الله لا يرجع إلى محصل بعد ما كان المراد سؤال الدعاء وطلب الشفاعة المقدورين فكما ان استغاثة الناس بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم ان يدعوا الله ان يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف واستغاثة المسلمين بهم في الدنيا يريدون منهم ان يدعوا الله ويشفعوا عنده حتى يقضي حوائجهم وهذا امر مقدور لهم بعد مماتهم لما عرفت في المقدمات من حياة النبي ( ص ) في قبره واستغفاره لأمته ( ومن ) ذلك يعلم فساد تفرقته بين استغاثة إبراهيم بجبرئيل ع لو فعلها واستغاثتنا بالنبي ( ص ) بان الأولى استغاثة في أمر مقدور بخلاف الثانية لأن الثانية هي أيضا في أمر مقدور وهي طلب الدعاء والشفاعة وليس فيها عبادة وشرك لو كان يفقه ( كما أن ) التفصيل بين الاستغاثة بالأحياء والاستغاثة بالأموات ولو في المقدور لغير الله تحكم محض لم يأت الصنعاني عليه بدليل ولم يزد ابن عبد الوهاب في دليله على قوله فحاش وكلا انهم سألوا ذلك بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره فضلا عن دعائه نفسه وهي دعوى مجردة عن الدليل لم يأت عليها بشاهد ولا اثر 108 مروي بل عرفت انها دعوى كاذبة وان الأمر بالعكس فإنهم أنكروا على من لم يدع الله عند قبره ولم يستقبله في دعائه ويتوسل به كما وقع لمالك امام دار الهجرة مع المنصور العباسي وان سيرة السلف والخلف دعاء الله تعالى عند قبره الشريف والتبرك به فمن هم السلف الذين يزعم ابن تيمية وابن عبد الوهاب انهم أنكروا على من دعا الله تعالى عند قبر النبي ( ص ) وهل مالك إمام المذهب وإمام دار الهجرة الذي قيل فيه لا يفتى ومالك في المدينة والذي قال فيه الإمام الشافعي حجة الله على خلقه لا يعد منهم فظهر بذلك ان ما قاله افتراء على السلف وانه لا فرق بين طلب الدعاء منه ( ص ) في حياته وبعد وفاته وان التفرقة بينهما محض جمود أو عناد وان ما هو شرك لا يمكن ان يكون توحيدا وبالعكس . مما يدل على جواز الاستغاثة بغير الله من النقل ما في خلاصة الكلام انه رواه ابن السني عن عبد الله بن مسعود ( رض ) قال قال رسول الله ( ص ) إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد يا عباد الله احبسوا فان لله عبادا يجيبونه ( وفي حديث آخر ) رواه الطبراني انه ( ص ) قال إذا أضل أحدكم شيئا أو أراد عونا وهو بأرض ليس فيها أنيس فليقل يا عباد الله أعينوني و في رواية أغيثوني فان لله عبادا لا ترونهم وقال إن الفقهاء ذكروا ذلك في آداب السفر انتهى وهو موجود في كتب أصحابنا أيضا وأورده بعض الوهابية في الرسالة الأولى من رسائل الهدية السنية ببعض التغيير « 1 » ( قال ) ومما استدل به علينا في جواز دعوة غير الله قوله ( ص ) وأورد الحديث الأول لكنه قال احبسوها بدل احبسوا ( قال ) وفي رواية إذا أعيت فليناد يا عباد الله أعينوا ( ثم أجاب ) بأجوبة طويلة جلها لا يرجع إلى محصل ولا يليق ان يسطر ولا يرتبط بالمقصود فلذلك أعرضنا عن نقله ( ومما ذكره ) القدح في السند برواية الطبراني له في الكبير بسند منقطع عن عقبة وان النووي عزاه لابن السني وفي إسناده معروف بن حسان قال ابن عدي منكر الحديث مع أن أخذ الفقهاء له بالقبول وذكرهم مضمونه في آداب السفر وإيراد أئمة الحديث له في كتبهم كالطبراني والنووي مغن عن تصحيح سنده لو سلم ما قاله وكيف خفي على الفقهاء والمحدثين ان مضمونه شرك أو حرام وظهر ذلك لأعراب نجد ( وأجاب ) صاحب المنار في الحاشية بان المتبادر ان النداء لمن عساه يوجد من الناس في الفلاة ولم يره وهو معتاد انتهى ولما كان الحديث المذكور في رسالة الوهابية إشارة إلى ما رواه الطبراني والنووي كما نص عليه صاحب الرسالة عند قدحه في السند كان تأويل صاحب المنار هذا مصادما لصريح الحديث فان قوله : فان لله عبادا لا ترونهم صريح أو كالصريح في أنهم ليسوا ممن يرى لدلالة المضارع على الاستمرار ودلالة التأكيد بان على تحقق وجودهم وكذا قوله فان لله عبادا يجيبونه دال على أن وجودهم واجابتهم محقق أو غالب لا محتمل احتمالا بعيدا أو مقطوعا بعدمه كما هو حال الفلاة والأرض التي ليس فيها أنيس ولو أراد ذلك لقال فليناد لعله يوجد أحد يجيبه أو نحو ذلك . ( وفي خلاصة الكلام ) صح عن بلال بن الحارث ( رض ) انه ذبح شاة عام القحط المسمى عام الرمادة فوجدها هزيلة فصار يقول وا محمداه وا محمداه انتهى وقال أنه استغاثة به ( ص ) لا ندبة ( قال ) وصح أيضا أن

--> ( 1 ) صفحة 425 ج 2