السيد محسن الأمين
109
أعيان الشيعة ( الملاحق )
أصحاب النبي ( ص ) لما قاتلوا مسيلمة الكذاب كان شعارهم وا محمداه وا محمداه انتهى وهو أظهر من السابق في الاستغاثة لأنه وقع في حياته ( ص ) ( قال ) وفي الشفا للقاضي عياض ان عبد الله بن عمر خذلت رجله مرة فقيل له اذكر أحب الناس إليك فقال وا محمداه فانطلقت رجله انتهى وهو من نوع الاستغاثة . أما ما يروى من أن أبا بكر قال قوموا نستغيث برسول الله من هذا المنافق فقال ( ص ) انه لا يستغاث بي انما يستغاث بالله فهو على تقدير صحة سنده محمول على أن المستغاث به الحقيقي هو الله تعالى لأنه القادر المختار الفاعل لما يشاء فقال ذلك تواضعا لله تعالى فهو نظير ( وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ) وقوله ( ص ) ما انا حملتكم ولكن الله حملكم فلا يعارض ما دل على جواز الاستغاثة ووقوعها كما مر مع أنه خارج عن محل النزاع فان الذي يعارض فيه الوهابيون كما صرحوا به الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه الا الله واستغاثتهم برسول الله ( ص ) من ذلك المنافق كانت في امر مقدور قطعا وهو دفع مفسدة نفاقه بضربه أو قتله أو غير ذلك . الفصل الثالث في التوسل إلى الله تعالى بالأنبياء والصلحاء وهذا يكون على وجوه ( أحدها ان يقول أتوسل به إلى الله أو أتوجه به اليه أو أتشفع أو أقدمه بين يدي حاجتي أو نحو ذلك ( ثانيها ) ان يقول أسألك بفلان أو بحق فلان أو بحقه عليك أو بجاهه عندك أو ببركته أو بحرمته عندك أو نحو ذلك ( ثالثها ) أن يقول أقسمت عليك أو اقسم عليك بفلان أو نحو ذلك وكلها تئول إلى شيء واحد وهو جعله وسيلة وواسطة بينك وبين الله تعالى لما له من المنزلة عنده والكرامة لديه ( والوجهان ) الأخيران يدخلان في الأقسام على الله بمخلوق الذي يأتي في الفصل الرابع وذكرناهما هنا لعدم خروجهما عن التوسل وكونهما من أنواعه ( والتوسل ) بأنواعه مما منعه الوهابية وجعلوه شركا لأنه نوع من التشفع الممنوع عندهم والموجب للشرك ولجريان أدلتهم فيه . وقد صرح بذلك محمد بن عبد الوهاب في المحكي عنه في كتاب التوحيد حيث قال بعد ذكر آية ( أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) بين فيها الرد على المشركين الذي يدعون الصالحين ففيها بيان ان هذا الشرك الأكبر انتهى وصرح به أيضا الصنعاني في تطهير الاعتقاد حيث قال في جملة كلامه المتقدم في الباب الثاني بان من توسل بمخلوق فقد أشرك مع الله غيره واعتقد ما لا يحل اعتقاده كما اعتقد المشركون في الأوثان وعد من جملة العبادة الموجبة للشرك والكفر التوسل بالمخلوق ( وقد ) صرح ابن تيمية في كلامه المتقدم في الفصل الأول في الشفاعة بان من توسل بعظيم عند الله كما يتوسل إلى السلطان بخواصه وأعوانه فهذا من أفعال الكفار والمشركين ( وقال ) في مقام آخر من رسالة زيارة القبور « 1 » وأما قول بجاه فلان عندك أو ببركة فلان أو بحرمة فلان عندك افعل بي كذا فهذا يفعله كثير من الناس لكن لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة انهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء ولم يبلغني عن أحد من العلماء في ذلك ما أحكيه الا ما رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد بن عبد السلام انه لا 109 يجوز فعل ذلك الا للنبي ص ان صح الحديث في النبي ( ص ) ثم قال قد روى النسائي والترمذي وغيرهما انه ( ص ) علم بعض أصحابه ان يدعو فيقول ( اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك نبي الرحمة يا محمد يا رسول الله اني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي اللهم فشفعه في ) فان هذا الحديث قد استدل به طائفة على جواز التوسل به ( ص ) في حياته وبعد مماته قالوا وليس في التوسل دعاء المخلوقين ولا استغاثة بالمخلوق وانما هو دعاء واستغاثة به تعالى لكن فيه سؤال بجاهه كما في سنن ابن ماجة عن النبي ( ص ) في دعاء الخارج للصلاة ( اللهم ان [ اني ] أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا ) إلى آخر ما يأتي في الفصل الرابع قالوا فسأله بحق السائلين عليه وبحق ممشاه إلى الصلاة والله تعالى قد جعل على نفسه حقا بقوله ( وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ . كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا ) قال وفي الصحيح عن معاذ بن جبل عن النبي ( ص ) حق الله على العباد ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ان لا يعذبهم وجاء في غير حديث كان حقا على الله كذا وكذا كقوله في حديث شارب الخمر فان عاد في الثالثة أو الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال وهي عصارة أهل النار وقالت طائفة ليس في هذا جواز التوسل به في مماته وبعد مغيبه بل في حياته بحضوره كما في صحيح البخاري ان عمر ( رض ) استسقى بالعباس فقال اللهم انا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وانا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون وقد بين عمر انهم كانوا يتوسلون به في حياته فيسقون وذلك التوسل به انهم كانوا يسألونه ان يدعو الله لهم فيدعو لهم ويدعون معه فيتوسلون بشفاعته ودعائه ( إلى أن قال ) فهذا كان توسلهم به ولما مات توسلوا بالعباس وما كانوا يستسقون به بعد موته ولا في مغيبه ولا عند قبره ولا قبر غيره ( إلى أن قال ) ولم يذكر أحد من العلماء انه يشرع التوسل والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته ولا في مغيبه ولا استحبوا ذلك في الاستسقاء ولا الانتصار ولا غير ذلك من الأدعية والدعاء مخ العبادة ومبناها على الاتباع لا الابتداع انتهى . ( ونقول ) التوسل ثابت بنص القرآن العظيم قال الله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) وهي بعمومها شاملة لكل توسل اليه تعالى بما يكرم عليه ( وقد ) دلت الأخبار الكثيرة على ثبوت الوسيلة للأنبياء والأوصياء والصالحين وقد مر قول النبي ( ص ) اسألوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون الا لعبد من عباد الله وأرجو ان أكون ذلك العبد ويأتي في فصل الحلف بغير الله قوله ( ص ) عن الخوارج يقتلهم خير الخلق والخليقة وأقربهم عند الله وسيلة ( والمراد ) بالوسيلة الدرجة والمكانة عنده تعالى ولذلك يتوسل ويتشفع به اليه ( والتوسل ) بذوي المكانة عند الله تعالى احياء وأمواتا من سنن المرسلين وسيرة الصالحين بأي وجه كان من الوجوه الثلاثة « 2 » السابقة « 3 » بل هو ثابت في الشرائع السابقة ( فعن القسطلاني ) في شرح صحيح البخاري عن كعب الأحبار ان بني إسرائيل كانوا إذا قحطوا استسقوا بأهل بيت نبيهم انتهى وليس فيه شائبة شيء من
--> ( 1 ) صفحة 30 . ( 2 ) صفحة 164 . ( 3 ) ولا يخرج عنها ما ذكره ابن تيمية في كلامه الآنف الذكر من أن توسلهم به ( ص ) في حياته انهم يسألونه الدعاء لهم فيدعو ويدعون معه فيتوسلون بشفاعته ودعائه فإنه إذا جاز التوسل بعمله من الشفاعة والدعاء جاز التوسل به نفسه ( ص ) وان كان تفسيره للتوسل بذلك قصدا لتوهين امره غير صحيح بل معناه ما ذكرناه في مال الوجوه الثلاثة السابقة .