كارل بروكلمان
36
تاريخ الأدب العربي
ذلك لم يمنعه أن يهب نفسه للعلم والفن ، فبعد أن أتم تعليمه في حلب سنة 384 ه / 994 م رجع إلى موطنه في معرة النعمان ، غير أن رغبته في الانطلاق إلى آفاق أوسع جعلته يرحل إلى بغداد في عام 398 ه / 1007 م ؛ ويبدو أنه لم يذهب إلى بغداد إلا مرة واحدة في حياته ( مرجليوث XX ) . وقد أدى اتصاله بعبد السلام البصري خازن دار الكتب هناك ، وكذلك اتصاله بأصدقائه المفكرين إلى أن يوجه شعره إلى الأسلوب الفلسفي ، غير أن المقام لم يستقر به في بغداد ، لأنه دخل في خصومة مع المرتضى العلوي ذي النفوذ ، أخي الشريف الرضى ( الترجمة العربية ، ج 2 ص 62 ) لتعصب المعرى للمتنبى ، وربما كان ورود الخبر بمرض أمه مما عجل برجوعه إلى وطنه ؛ وعندما عاد إليه بعد غياب دام سنة وسبعة أشهر ، وجد أمه قد فارقت الحياة . وكانت إقامته في بغداد ، مركز الحياة الفكرية في عصره ، ذات أثر حاسم في تطوره ، وكثيرا ما عبر فيما بعد بطريقة مؤثرة عن أسفه الشديد لاضطراره إلى مغادرة بغداد بعد إقامة لم تطل « 1 » . وبعد عودته لم يحى في وطنه حياة العزلة والزهد التي ترنم بها في شعره . ولمكانته بين أهل بلده أرسلوه في عام 1027 م إلى صالح ابن مرداس ، صاحب حلب ، ليشفع لهم عنده في إطلاق سبعين من أعيانهم أخذهم رهائن . وعندما زاره هناك ناصر خسرو ( سفر نامه نشر Schefer ص 35 - 36 ) في عام 1047 م رآه رجلا في سعة من العيش ، مرموق الجانب ، محاطا بكوكبة من طالبى العلم يقدرون بمائتى طالب . وقد توفى في الثاني ( وقيل في الثالث عشر ) من ربيع الأول سنة 449 ه / العاشر ( أو الحادي والعشرين ) من مايو سنة 1057 م . ونقش قبره نشره ليتمان في . Sem . Inscr . ( نيويورك 1904 ص 188 - 190 ) . وإذا كان لا خلاف في الحكم على شعره الذي قاله في شبابه ، وهو الذي جمع في « سقط الزند » ، بأنه فيه خليفة للمتنبى بحق ، فإن الخلاف بين
--> ( 1 ) خلد أبو العلاء في كتابه : رسالة الغفران ص 82 أمة سوداء كانت تخدم في دار العلم ببغداد على زمان أبى منصور محمد بن علي الخازن ، فجعلها إحدى حوريات الجنة !