أحمد بن أحمد بن محمد المطاع
6
تاريخ اليمن الإسلامي من سنة 204 ه إلى سنة 1006 ه
والاطلاع على تكون نهضاتها من أقدم عصورها ومشاهدة أجيالها وهي تخرج من الكهوف إلى الصروح ، ومن الأكواخ إلى القصور ، ومن الأودية والغابات إلى المحاكم والكليات ، ومن نقش الآثار على الأحجار إلى استنطاق الجماد واستخدام البخار ، فعليه بما خلدته الأيام على صحائف التاريخ وإن شاء الرجوع إلى العصور العافية ، والتغلغل في مهاوي القرون السحيقة ، كي يرى الإنسان الأول يزاول أعماله بسائق الفطرة ، ويترصد فريسته في ألفاف الشجر ، وأجواف الحفر ، ويتعقب الطرائد في مخارم الجبال وبطون الأودية ، أيام كان يستوطن الكهوف والغيران ، ويتسلح الحجر ، فليرجع إلى آثار تلك العصور ، ( لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ) . ولا نبالغ إذا قلنا إن التاريخ ما عرف في جميع أدواره عصرا هبت فيه الشعوب عن بكرة أبيها لدراسة الماضي والارتواء من مناهل ثقافته ، والتنقيب عن آثار البشرية من أقدم أزمنتها ، والبحث عن الحضارة الإنسانية كهذا العصر . هبت أمم العالم اليوم تنقب عن مفاخر الماضي وآثاره ، لتضع على كواهل أبنائها من قدسية ماضيهم وأمانة تاريخهم ما تنوء بحمله الجبال ، وتجعل من آثار ذلك الماضي أدوات تستخدم لإيقاد جذوة الوطنية في الصدور وإلهاب نار الحماسة في الرؤوس مستلهمة وحي النبوغ والتقدم من أرواح الآباء والأجداد . ولذا كان لزاما على كل أمة تحاول النهوض الالتفات أولا إلى الماضي بدراسة تاريخها ، ومعرفة ما فيه من الحوادث والكوارث ، والوقائع والكوائن وأسباب الصعود والهبوط ، فإن حياة الأمم موصولة ، وحاضرها القريب وليد ماضيها البعيد ، ولذا قيل : « إن الأمة التي تهمل ماضيها ولا تعرفه مثل الرجل الذي يفقد ذاكرته » ، ويقول علماء الاجتماع وتباريس علم الأخلاق : ( إن