عبد الستار البكري الهندي

944

فيض الملك الوهاب المتعالي بأنباء أوائل القرن الثالث عشر والتوالي

تلامذة والده يقرءون عليه ، وكان ذا حرص واجتهاد إلى الغاية ، قليل الخروج من المدرسة ، حتى إنه اتفق له سبع سنين ولم يخرج منها إلا لصلاة الجمعة ، وأما الجماعة ففي مسجدها ، والأكل يأتي له من بيت والده مع الطلبة ، وأكبّ على تحصيل العلم وإدمان المطالعة والمراجعة والمذاكرة والمباحثة ليلا ونهارا ، لم تنصرف همّته إلى غيره أصلا ، حتى إنه لما تزوج بأمر والده وإلزامه أخذ ليلة الدخول معه المحفظة ، فلما انصرف عنه الناس نزّل السراج وقعد يطالع الدروس التي يريد أن يقرأها في غد ، ويقدّر في نفسه أنه بعد إتمام المطالعة يباشر أهله ، فاستغرق المطالعة إلى أن أذّن الصبح ، فتوضأ وخرج للصلاة ، وحضر دروس والده من أولها ، ولم يعلم والده بذلك لكونه لا يبصر ، ولما فرغ من الدروس أتى إليه ولده وسلم عليه فبارك له وبارك له الحاضرون ، وفي الليلة الثانية فعل كفعله بالأمس ، ولم يقرب أهله من غير قصد للتّرك ، لكن لاشتغاله بالمطالعة فيقول في نفسه : أطالع الدرس ، ثم ألتفت إلى الأهل ، فيستغرق إلى أن يصبح ، فأخبرت المرأة وليّها بذلك ، فذهب وأخبر والده بالقصة ، فدعاه والده وعاتبه وأخفى منه المحفظة وأكّد عليه بالإقبال عليها . وكان كثير التحرير ، بديع التقرير ، سديد الكتابة ، قلّ أن يقرأ كتابا أو يطالعه إلا ويكتب عليه أبحاثا عجيبة ، واستدراكات غريبة ، وفوائد لطيفة ، فمنها القليل ومنها الكثير ، فمن أكثر ما رأيته كتب عليه « شرح المنتهى » للشيخ منصور ، ملأ حواشيه بخطّه الضعيف المنوّر ، ولم يدع فيه محلا فارغا بحيث إني جرّدتها في مجلّد ، وضممت إليها ما تيسّر من غيرها ، وفيها