السيد حسن الصدر
570
تكملة أمل الآمل
والعبادة . عاشرته زمانا طويلا في النجف الأشرف ، فما رأيت منه إلّا ما يذكر اللّه . بلغ من الزهد والتجافي عن الدنيا مقاما لا يحومه الخيال . خشن اللباس جشب المأكل ، جلّ قوته السويق يهسّ دقيق الشعير بشيء من التمر فيقتات به ، حتى أنه حجّ بيت اللّه مرّتين ولم يزد له غيره . وكان يزور الحسين عليه السّلام ببعض خاصّته ماشيا ، وشاهدت منه كرامات تدلّ على خطره . زار العسكريين وأنا في جوارهما سنة 1292 ، ونزل عندي فقدّمت له ذات يوم عند الغداء بطّيخا وخبزا وجبنا ، فقال : لا آكله ، فالتمسته عليه فامتنع ، فأصررت عليه فأبى ، فقلت له : إنك في منزلي وأنا ألتمسك على أكله فأين الأخبار المأثورة في إجابة المؤمن وهل يراد به إلا الإمامي وأنا مع ذلك ذو عناوين أخر تقضي في الشرع برعايتي كانتسابي إلى الإمام الكاظم عليه السّلام ومهاجرتي إلى العلم كلّ هذا لا أثر له عندك ؟ ! وظهرت عليّ طلائع الغضب ، فقال لي : واللّه لأذيتك أعظم أمر عندي وقد ألزمتني أن أبوح سرّي . إني عاهدت وألزمت نفسي الحيوانيّة أن لا أعطيها ما تشتهيه وتميل إليه ، وقد خرجت اليوم من الصحن الشريف وكان هذا البطيخ عند بابه ، فصارت رائحته إلى شامّتي وهشت إليه نفسي ، فقلت لها : لن أذيقك منه شيئا ولا أتابعك في هذه الشهوة الحيوانيّة ، وهل أنت ترضى أن أكون ممّن اتبع هوى نفسه ؟ فقلت له : فما تأكل اليوم ؟ قال : آكل الخيار ( المعروف بأبي زغيب ) مع الخبز . ولمّا كان آخر الليل أخذني معه إلى السرداب الشريف للتهجّد هناك وقال : يا أخي إنه مكان شريف ولا يوجد فيه الآن أحد . فذهبنا وفتحت أنا باب الصحن وقصدنا السرداب فوقفنا على باب الدرج للاستئذان وهو مظلم ليس فيه ضياء ، فلمّا فرغنا من الاستيذان تقدّمني بالنزول ، فنزلت خلفه بدرجتين . فبينما أنا أنزل إذ رأيت نورا