ابن العظم
43
السر المصون ذيل على كشف الظنون
فإن الحاضر عند الحسّ الذي لا تلتفت اليه النفس لا يكون مدركا ، أجيب بأن الادراك ليس حضور الشيء عند الآلة فقط بل حضوره عند المدرك لحضوره عن الآلة بأن كان ما به يدرك الآلة بأن يكون حاضرا مرتين . إحداهما : عند المدرك ، والأخرى عند آلته . فالنفس هو المدرك ولكن بواسطة الحضور عند الآلة ان كان ما به يدرك الآلة والحضور عند المدرك علم من قوله : هو أن يكون حقيقة متمثلة عند المدرك ، والحضور عند الآلة علم من قوله : يشاهدها ما به يدرك والشيء المدرك أما نفس المدرك كعلمنا بذاتنا أو غيره ، وهو إما غير خارج عنه كعلمنا بوجودنا أو خارج عنه ، وهو إما مادي كالأجسام ، أو غير مادي كالعقول والنفوس المجرّدة فهذه أقسام أربعة . الأولان منها : ادراكهما بحصول نفس الحقيقة عند المدرك الأول : بدون الحلول ، والثاني : بالحلول . والأخيران لا يكون ادراكهما بحصول نفس الحقيقة الخارجية بل بحصول مثال الحقيقة ، سواء كان الإدراك مستفادا من الأمور الخارجية ويسمى هذا بالعلم الانفعالي وهو المستفاد من الوجود الخارجي كما توجد أمرا مثل الأرض والسماء ثم تصوّره . أو الخارجية مستفادة من الإدراك ، ويسمّى هذا بالعلم الفعلي ، وهو أن يكون سببا للوجود الخارجي كما تتصور مثل السرير مثلا ثم توجده ، فالفعلي ثابت قبل الكثرة ، والانفعالي بعدها . أي العلم الفعلي كلّي تتفرع عليه الكثرة وهي افراده الخارجية التي استفيد هو منها . والثالث : ادراكه بحصول صورة منتزعة من المادة مجرّدة عنها . والرابع : لم يفتقر إلى انتزاع من المادة ضرورة كونه غير مادي . فقوله : تمثل حقيقة الشيء عند المدرك متناول للجميع ، يقال : تمثّل كذا عند كذا إذا حضر منتصبا عنده بنفسه أو بمثاله . فالانتصاب بنفسه يتناول الأوّلين ، وبمثاله يتناول الأخيرين . وقوله عنده أعم من أن يكون بالحلول فيه أو في آلته ، أو بدون الحلول . فإن الحضور عند المدرك يشملها وبالمعنى الأخير قسمه الشيخ الرئيس « 1 » في الإشارات إلى تصوّر ساذج أي مجرّد من التصديق ، وإلى تصوّر مع التصديق ان كان اذعانا ، أي إدراكا على
--> ( 1 ) هو الحسين بن عبد الله بن سينا الفيلسوف صاحب التصانيف ولد في احدى قرى بخاري ونشأ وتعلم فيها وتولى الوزارة في همذان ، وكان من القرامطة الباطنيين في رأي بعض المؤرّخين ، وقيل بأنه تاب في آخر أيامه وكان حنفي المذهب ، ورأس الفلاسفة المسلمين صنف الكثير في الطب والمنطق والطبيعيات ولادته ووفاته ( 370 - 428 ه / 980 - 1037 م ) من مؤلفاته كتاب « الإشارات والتنبيهات في المنطق والحكمة » ترجم له ، ابن خلكان ، وفيات الأعيان ، 2 / 157 ؛ ابن كثير ، البداية والنهاية ، 12 / 42 ؛ ابن حجر ، لسان الميزان في 2 / 291 ؛ ابن تغري بردي ، النجوم الزاهرة ، 5 / 25 ؛ ابن العماد ، شذرات الذهب ، 3 / 234 ؛ حاجي خليفة ، كشف الظنون ، 1 / 94 ؛ البغدادي ، ايضاح المكنون ، 2 / 555 ؛ الزركلي ، الاعلام ، 2 / 241 ؛ كحاله ، معجم المؤلفين في 4 / 20 وعلى كتابه الإشارات شروح كثيرة .