ابن العظم

44

السر المصون ذيل على كشف الظنون

وجه القبول والاعتقاد الجازم . واحترز به عن التخيّل والشك والوهم فإن كلا منهما وإن كان إدراكا للنسبة لكنها خالية عن الحكم لأنها ليست على وجه الإذعان والاعتقاد بل على سبيل التخيّل والتجوّز ، فهي من التصورات للنسبة التامة الخبرية المسماة بالنسبة الحكمية التي تتصور بين الموضوع والمحمول إيجابية كانت كالاعتقاد : بأن زيدا قائم ، أو سلبية كالاعتقاد : بأن زيدا ليس بقائم . فتصديق وإدراك النسبة على الوجه المذكور هو الحكم ، وهو إسناد أمر إلى آخر ايجابا أو سلبا ، وبعبارة أخرى هو إيقاع النسبة الحكمية أو انتزاعها ، ويقال للإيقاع : إيجاب وإثبات . وللانتزاع : سلب ونفي . والنسبة الحكمية هي ثبوت شئ لشيء كثبوت القيام لزيد في قولنا : زيد قائم . أو ثبوت شيء مع شيء على وجه الاستصحاب كثبوت النهار مع طلوع الشمس في قولنا : إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود . أو ثبوت مباينة شيء لشيء على وجه الانفصال ، كانفصال هذا العدد زوج عن قولنا هذا العدد فرد في قولنا : إما أن يكون هذا العدد فردا أو زوجا ، ولذلك يسمى بالنسبة الثبوتية . والإيجابية وهي مفهوم تصوّري وإلّا أي وإن لم يكن إذعانا للنسبة ، سواء كان إدراكا لأمر واحد كتصوّر الإنسان ، أو أمور متعددة بلا نسبة ، كتصوّر أطراف القضية . أو مع نسبة غير تامة نحو : تصوّر غلام زيد ، والحيوان الناطق . أو تامة غير قابلة لتعلق الإذعان كالنسبة الإنشائية نحو : تصوّر أضرب أو قابلة إياه لكن لم يحصل الإذعان بها كما في التخيّل والشك والوهم كما مرّ فتصوّر . فالتصوّر : ادراك الماهية من غير أن يحكم عليها بنفي أو إثبات . والتصديق : هو أن يحكم عليها بأحدهما . وقد اختلف العلماء فيه من وجهين الأول : في شرائطه . قال المتقدمون : يشترط في وجود التصديق تصوّران تصوّر الموضوع ، وتصوّر المحمول . والتصديق : هو إدراك النسبة التامة التي بينهما ، وهي ربط أحدهما بالآخر على وجه الإذعان والتسليم . وقال المتأخرون : يشترط في وجوده ثلاثة تصورات : المذكوران ، وتصور النسبة التي بينهما . والتصديق هو إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة . قلت : وهذه من تدقيقاتهم الدقيقة فإن في صورة الشك قد تصوّر النسبة بدون الحكم ، إذ ما لم يتصور النسبة ، لا يحصل الشك ، فإن المتشكك في النسبة الحكمية متردّد بين وقوعها وبين لا وقوعها فقد حصل له ادراك النسبة قطعا ، ولم يحصل له الإدراك المسمى بالحكم وعند ارتفاع الشك ينضم إلى الإدراكات الحاصلة إدراك آخر كما يشهد به الوجدان ، لا أنه يزول إدراك ويحصل إدراك آخر بدله .