محمد بن جعفر الكتاني

78

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

خدم العلم عمره حتى صار شيخ الجماعة ، وكان يقول : « إن العلوم كلها [ 60 ] نافعة » ، فكان يبحث عنها كلها ، ويتعلمها ، حتى إنه تعلم لعبة الشطرنج فأتقنها ، وتلاحين عود الغناء فكان يحركه ، وبلغ الغاية العليا في علم العقائد . وأما الأصول ؛ فذلك عشه ، فيه يدرج ، ويعرف كيف يدخل فيه ويخرج . وانفرد عن أهل زمانه بمعرفة تاريخ الملوك ، والسير والعلماء على طبقاتهم ، ومعرفة أيامهم . وكانت معه حدة في بعض الأوقات تمنع المتعلم من مراجعته والإكثار من مباحثته . وكان مولعا بأمثلة العامة ؛ خصوصا عامة الأندلس ، يستحسن لغتهم ولكنتهم ، ويثني عليهم وعلى بلادهم الجزيرة ، ويستحسنها ويتشوق إليها . وكان يقال فيه : « إن فهمه لا يقبل الخطأ ! » . وله صناعة في التدريس ؛ يجيد ترتيب النقول ، ويتأنق في كيفية الإلقاء . وكان من عباد اللّه الصالحين ؛ لا يفتر عن قراءة القرآن إلا في زمن المطالعة أو التأليف أو الإقراء أو ضرورياته . وكان أورع الناس في النقل ؛ كاد أن لا يفارق لسانه : « لا أدري » ، أو : « حتى انظر » ، أو كلاما يقرب من هذا . وكان دمث الأخلاق ، رقيق الحاشية ، متقشفا في الدنيا ، قانعا بما تيسر من المأكول والملبس ، لا يحسن تدبير الدنيا . وبالجملة ؛ فهو كما قال بعضهم : « آخر الناس بالمغرب ، ولم يكن مثله في الفنون بالمغرب ولا جاء بعده من يقربه في علومه » . ه . وفي " كفاية المحتاج " : « هو آخر فقهاء فاس ؛ لم يخلف بعده مثله » . ه . وقال في " درة الحجال " : « صارت الدنيا تصغر بين عيني كلما ذكرت أكل التراب للسانه والدود لبنانه ! » . ه . وما يوجد في بعض نسخ " الكفاية " من أنه : « كان ينبذ بالهنات ! » . لعله مدخل وملحق من وضع الحسدة ، وإلا ؛ فإمامته مشهورة . وتلك الزيادة لا توجد في بعض النسخ العتيقة . وثناء سيدي أحمد بابا عليه شهير في غير ما كثير من تآليفه . أخذ - رحمه اللّه - عن شيوخ وقته جميعا ؛ كاليسيتني ؛ وهو عمدته ، وسقين وابن هارون ، وعبد الواحد الونشريسي ، والزقاق . . . وغيرهم ممن اشتملت عليه فهرسته . وأخذ عنه هو جماعة من المغاربة ؛ كالشيخ أبي المحاسن الفاسي ، وأخيه العارف باللّه ، وولده أبي العباس أحمد ، وأبي العباس ابن القاضي صاحب " الجذوة " و " الدرة " وغيرهما . . . وغيرهم . وألف تآليف ؛ منها : شرح " المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب " ، وشرح ظريف لرجز " الزقاق " في الفقه ، وحاشية كبيرة على شرح " الكبرى " للسنوسي في العقائد ، وحاشية صغيرة عليه أيضا ، وشرحان على قصيدة سيدي أحمد ابن زكري في الكلام ؛ مطول ومختصر ، وفهرستان ؛ كبرى وصغرى ، " ومراقي المجد في آيات السعد " . . . وغير ذلك . قال النيجي : « وكان لا يقرأ فنا إلا أقرأه إقراء من لا يعرف إلا ذلك الفن ! » .