محمد بن جعفر الكتاني
60
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
وتولى الخطابة والإمامة بالمدرسة العنانية زمانا ، ثم بعد ذلك ولي الإمامة والخطابة والتدريس بمسجد مولانا إدريس - رضي اللّه عنه - بعد بنائه عام اثنين وثلاثين ومائة وألف ، ثم تخلى عن ذلك ، وولي أيضا الفتوى ، ثم تخلى عنها لما آل الأمر لفساد الدين . وتلمذ له من يعتبر من أهل عصره ، وانفرد برياسة العلم في وقته ومصره . وممن تلمذ له وأخذ عنه : أبو عبد اللّه ميارة الحفيد ، وأبو عبد اللّه محمد بن حمدون البناني ، وولد عمه : ابن عبد السلام البناني ، وأبو العباس ابن مبارك ، وأبو عبد اللّه الجندوز ، وأبو عبد اللّه جسوس ، وأبو عبد اللّه ابن زكري . . . وغيرهم . وكان - رحمه اللّه - زوارا للأولياء الأموات ؛ كالقطب مولانا عبد السلام ، والغوث أبي يعزى ، والشيخ أبي سلهام ، وأبي الحسن ابن داود . وكان له في الشيخ سيدي أحمد ابن عبد اللّه معن الأندلسي محبة كبيرة ووداد ، وجميل ظن وحسن اعتقاد ، وكان يثني عليه في مجلس درسه ، ويعلن ذكره ويشيد فخره ، ويعظمه ويجله ، ويذكر [ 45 ] مزاياه ويبجله . وكان يصحبه في زيارة مولانا عبد السلام بن مشيش رضي اللّه عنهما . وكانت له بركة عظيمة ، ومناقب واضحة جسيمة . نفعنا اللّه به . وله - رحمه اللّه - تآليف عديدة ؛ ك : " جهد المقل القاصر في نصرة الشيخ عبد القادر " ، و " نتيجة التحقيق في بعض أهل النسب الوثيق " ، و " القول الكاشف عن أحكام الاستنابة في الوظائف " ، ورسالة : " نصرة القبض والرد على من أنكر مشروعيته في صلاتي النفل والفرض " ، و " صرف الهمة إلى تحقيق معنى الذمة " . . . وله أجوبة كثيرة وتقاييد جيدة في أنواع مختلفة ، يبدي فيها العجائب من حل المشكلات ، والتفطن لدقائق المعضلات ، لو جمعت لكانت مجلدا ضخما . وترجمته واسعة جدا . وقد ألف فيها بالخصوص : الفقيه العلامة أبو العباس أحمد بن عبد الوهاب الوزير الغساني . وكان - رحمه اللّه - قد حفر قبره في حياته قبل موته بنحو ثلاث سنين ، داخل قبة ولي اللّه تعالى سيدي محمد العائدي ، ملاصقا لجدار القبة ، وراء ظهره . بعد أن كتب لأولياء الشيخ يستأذنهم في الدفن ؛ فأذنوا له . وبعد الفراغ من الحفر ؛ اضطجع فيه ، وقرأ ما تيسر ، وبقي يتعاهده بالقراءة إلى أن توفي . ولما مرض مرض موته ؛ نظم قصيدته التي مطلعها : يا رب عطفا على مسيء * قد ساقه القوم للمقابر