محمد بن جعفر الكتاني
345
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
أيفع وأدرك ؛ سبق إلى ذهنه محبة التعاليم ، فبرز بها واشتهر ، وعكف الناس عليه في تعلمها ، وهو في سن البلوغ . ثم قصد إلى الحج آخر المائة السابعة ؛ فدخل مصر والشام ، والحجاز والعراق ، ولقي بالديار المصرية : ابن دقيق العيد ، وابن الرفعة ، وصفي الدين الهندي ، والتبريزي . . . وغيرهم من فرسان المعقول والمنقول . ثم رجع لتلمسان ؛ فقرأ المنطق والأصلين على أبي موسى ابن الإمام ، وأخذ بها - أيضا - عن أبي الحسن التنسي وغيره . ثم أراد أبو حمو - صاحب تلمسان - إكراهه على العمل ؛ ففر إلى مدينة فاس ، واختفى بها ، وقرأ بها فنون التعاليم حتى مهر فيها . ثم لحق بمراكش في حدود عشر وسبعمائة ، ونزل على الإمام ابن البناء ، فلازمه وتضلع عنه في علم المعقول والتعاليم والحكمة ، ثم رجع إلى مدينة فاس ؛ فانتال عليه طلبة العلم بها ؛ فانتشر علمه ، واشتهر ذكره . ثم إن أبا موسى ابن الإمام مدحه للسلطان أبي الحسن المريني ؛ فاستدعاه من مكانه بفاس ، ونظمه في طبقات العلماء بمجلسه ، فعكف على التدريس والتعليم ، ولازم أبا الحسن وحضر معه وقعة طريف ، ووقعة القيروان بإفريقية . وكان أبو عنان يقرأ عليه إلى أن توفي . وممن أخذ عنه : الشريف التلمساني ، والمقري الكبير ، وابن خلدون ؛ صاحب " العبر " ، وابن الصباغ المكناسي ، وابن مرزوق الجد ، وأبو عثمان العقباني ، وابن عرفة ، والولي ابن عباد ، وأبو زكرياء يحيى الرهوني . . . وغيرهم ممن لا ينعد كثرة . وقد قال المقري : « لقيت فيمن لقيت بفاس : رجلين ؛ أحدهما : عالم الدنيا ، والآخر : نادرتها . أما العالم ؛ فهو : شيخنا أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم بن أحمد العبدري الأبلي . وأما النادرة ؛ فأبو عبد اللّه ابن شاطر ! » . والحاصل ؛ أنه كان نسيج وحده ، وفريد وقته ، قياما على الفنون المعقولية ، ولم يكن لإدراكه وصحة نظره مثل . ولد بتلمسان سنة إحدى وثمانين وستمائة . وتوفي بفاس - كما في ابن خلدون ، و " الجذوة " ، و " الكفاية " ، و " النيل " . . . وغيرها - سنة سبع وخمسين وسبعمائة . رحمة اللّه عليه .