محمد بن جعفر الكتاني
341
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
أصله من شلب ، ولما قتل بها أحمد بن الحسين ؛ المعروف بابن القيسي ؛ جاز إلى هذه العدوة ، فنزل بمدينة سلا ، ثم استقر أخيرا بفاس . وكان وليا صالحا ، زاهدا عابدا عالما ، من أفاضل الأولياء . له كرامات كثيرة ، ونقل عنه أنه : واصل مرة أربعين يوما . وكان كلامه - رحمه اللّه - أمثالا ؛ يعده من لم يتنبه له لغوا . من ذلك أنه : قعد يوما في رابطة فيها شجرة رمان ، ومعه صاحب له يقال له : أحمد بن إبراهيم الأزدي ، فقال له أبو عبد اللّه : « هذه الرمانة ؛ من لم ينظر إليها ونظر إلى الأرض ؛ لم يدر متى أورقت ، ولا متى نورت ، ولا متى أطعمت ، ولا متى قطفت ، ومن رفع إليها بصره ؛ رآها كيف تنتقل من حالة إلى حالة تجني فيها ثمراتها ، وهذه كلها إشارات إلى أن من أخلد إلى الأرض واتبع هواه ؛ انحجب عن عجائب الملكوت ، وأن من طمحت به همته إلى الملإ الأعلى ؛ شاهد العجائب ، وانقلب بغرائب الفوائد ! » . وروي عن أبي عبد اللّه محمد بن علي بن عبد الرحمن الهواري [ 270 ] قال : « حضرت مع أبي عبد اللّه بن سالم ، بموضع خارج مدينة سلا ، أنا ووالدي وعبد الرحمن بن يوسف ، فأهويت بيدي إلى نبات من الأرض لأقطعه منها ؛ فنهاني ، ثم قال لأبي : لم يقطعه عبثا من غير حاجة إليه ؟ ؛ فكم من حيوان يأكل منه ، وكم من حيوان يستظل تحته . ثم إنا أكلنا طعاما ؛ فلف بقيته في المنديل ، فلما وصل إلى منزله وفتحه ، وجد فيه جماعة من النمل ، فقال : غربنا هذه النمل عن موضعها ! . فحملها حتى أعادها إلى المكان الذي كانت فيه » . وخرج في سياحته مع جماعة من أصحابه على الساحل ، فأصابهم العطش الشديد ، فلم يجدوا ماء ، فقال : « أتسترون علي ؟ » . فقالوا : « نعم » . فدخل في ماء البحر إلى أن بلغ صدره ، ففتح ما بين رجليه وجعل يغرف بيده ويسقيهم ، فشربوا ماء عذبا ! . وكان بعضهم بفاس ، فخرج إلى السوق ومعه درهم ليشتري بقيراط لحما ، وينفق عليه القيراط الثاني ، فسمع سائلا يسأل ، فخطر بباله أن يعطيه قيراطا ، ثم ندم من ذلك ، فإذا برجل قد مد يده إلى ثوبه من ورائه وهو يقول : « لم رجعت عن الخاطر الأول ؟ » . فالتفت ؛ فإذا هو بصاحب الترجمة ! . توفي - رحمه اللّه - بمدينة فاس . ذكره ابن صعد في " النجم الثاقب " ، والتادلي في " التشوف " ، وابن القاضي في " الجذوة " . . . ولم يذكروا له - أيضا - وفاة .