محمد بن جعفر الكتاني
269
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
قلت : وفي صحة هذا نظر . فإن الذي في " الأنيس " في ترجمة أبي يعقوب هذا أنه : « توفي بقرب الجزيرة الخضراء ، قاصدا للجواز إلى العدوة ، بعد ما طعن طعنات نافذة ، في غزوة شنترين من بلاد غرب الأندلس ، وذلك سنة ثمانين وخمسمائة ، وحمل إلى تينمل ، فدفن بها إلى جانب قبر أبيه . قال : وقيل : إنه لم يمت حتى وصل إلى مراكش ودفن بتينمل » . ه . ونحوه في " وفيات الأعيان " [ 217 ] لابن خلكان في ترجمته أيضا . نعم ؛ ذكر في " وفيات الأعيان " في ترجمة ولده السلطان أبي يوسف يعقوب ، أنه : اختلفت الروايات في أمره - أي : أمر ولده المذكور - قال : « فمن الناس من يقول : إنه ترك ما كان فيه ، وتجرد وساح في الأرض حتى انتهى إلى بلاد المشرق وهو مستخف لا يعرف ، ومات خاملا . ومنهم من يقول : إنه لما رجع إلى مراكش ؛ توفي في غرة جمادى الأولى ، وقيل : في شهر ربيع الآخر في سابع عشر ، وقيل : في غرة صفر ، ولم ينقل شيء من أحواله بعد ذلك إلى حين وفاته سنة خمس وتسعين وخمسمائة بمراكش ، وقيل : بمدينة سلا . قال : ثم حكى لي جمع كثير بدمشق أن : بالقرب من المجدل ؛ البليدة التي من أعمال البقاع العزيزي قرية يقال لها : حمارة ، وإلى جانبها : مشهد يعرف بقبر الأمير يعقوب ؛ ملك المغرب ، وكل أهل تلك النواحي متفقون على ذلك ، وليس عندهم فيه خلاف ، وهذا القبر بينه وبين المجدل مقدار فرسخين من جهتها القبلية ، بغرب . واللّه أعلم » . ه . لكنه خلاف ما جزم به في " الأنيس " من أن أبا يوسف هذا توفي بمراكش ، وحمل إلى تينمل ، فدفن بها . وهو مقدم في مثل هذا على غيره ؛ لأن أهل مكة أعرف بشعابها . وقد قال المقري في " نفح الطيب " ، في ترجمة الشيخ تاج الدين ابن حمويه السرخسي - بعد أن نقل عنه أنه : دخل المغرب من الإسكندرية في البحر ، ودخل مدينة مراكش أيام الأمير أبي يوسف يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي ، واتصل بخدمته ، وأنه : حدثه بعض عمال الأمير المذكور أنه : فرق على الجند والأمراء والفقراء في عيد سنة أربع وتسعين : ثلاثة وسبعين ألف شاة ؛ من ضأن ومعز ، ودرج إلى رحمة اللّه تعالى سنة خمس وتسعين وخمسمائة - ما نصه : « قلت : بهذا وأمثاله تعلم فساد ما زعمه غير واحد ، أن يعقوب المنصور هذا : تخلى عن الملك ، وفر زهدا فيه إلى المشرق ، وأنه : دفن بالبقاع . لأن هذه مقالة عامية ، لا يثبتها علماء المغرب . وسبب هذه المقالة : تولع العامة به ، فكذبوا في موته ، وقالوا : إنه ترك الملك ، وحكوا ما شاع إلى الآن وذاع ، مما ليس له أصل . ويرحم اللّه تعالى الإمام العلامة القاضي الشريف الغرناطي ؛ شارح " الخزرجية " ، إذ قال في شرح " مقصورة حازم " عند ذكره وقعة الأراك ما معناه : إن بعض الناس يزعمون أن المنصور ترك الملك ، وذهب إلى المشرق . وهذا كلام لا يصح ، ولا أصل له » . انتهى كلام المقري .