محمد بن جعفر الكتاني
247
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
وولي القضاء بإشبيلية مدة ؛ أولها : في رجب من سنة ثمان « 1 » وعشرين وخمسمائة ، فنفع اللّه به أهلها ؛ لصرامته وشدته ونفوذ أحكامه ، والتزامه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إلا أنه كانت له أحكام شديدة ؛ منها : ما روي أنه أمر مرة بثقب أشداق زامر ؛ فثقبت حتى أفسد زمره . وكان له شرط يطلبون أهل الخمر ، فأتي له يوما برجل بيده كأس فيها خمر ، فسأله عنها . فلقنه بعض الوزغة أن يقول : إن عنده جارية نصرانية اشتراها لها . فأطرق القاضي مليا ، ثم رفع رأسه فقال : « لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الخمر عشرة ، عاصرها ومعتصرها ، وشاربها وحاملها ، والمحمولة إليه وساقيها ، وبائعها وآكل ثمنها ، والمشتري والمشتراة له » ، ثم لعنه وأمر من بحضرته بلعنه ، فاستمرت عليه اللعنة في نواحي إشبيلية [ 200 ] إنما هو كرامة لابن العربي رضي اللّه عنه . ه . وأخذ من فعله : أن مذهبه جواز لعن العاصي المعين ، لكنه خلاف ما له في " الأحكام " عند قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ . [ آل عمران : 91 ] . ونصه : « فيها ثلاث مسائل » ، ثم قال : « المسألة الثانية : فأما العاصي المعين ؛ فلا يجوز لعنه اتفاقا ؛ لما روي : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم جيء إليه بشارب خمر ، فقال بعض من حضر : لعنه اللّه ؛ ما أكثر ما يؤتى به . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم . فجعل له حرمة الأخوة ، وهذا يوجب الشفقة . وهذا حديث صحيح . وأما لعن العاصي مطلقا ؛ وهي : المسألة الثالثة ؛ فيجوز إجماعا : لما روي في الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : لعن اللّه السارق يسرق البيضة والحبل فتقطع يده » . ه . وحاصل ما ذكره في المسألة الأولى : أن الصحيح عنده - خلافا لبعض أشياخه - جواز لعن الكافر المعين بظاهر حاله ، كجواز قتله وقتاله . قال : « وكذلك إن كان ذميا ؛ يجوز إصغاره ، فكذلك لعنه » . ه . ونقل الحطاب « 2 » في " شرح مختصر خليل " عند قوله فيه : « ولو قال : يا فلان ؛ فعل اللّه بك كذا . لم تبطل . عن ابن ناجي في " شرح الرسالة " ما محصله : أنه لا يجوز لعن المعين مطلقا ؛ كافرا أو عاصيا ، ويجوز لعن غيره ؛ جمعا بين الأحاديث . فراجعه . واللّه أعلم . وكانت لصاحب الترجمة - رحمه اللّه - مسائل من هذا النمط ، فأدته شدته فيها إلى أن قامت عليه العامة ونهبوا داره ، وأخذوا كتبه وماله ، قال : « ولولا أني تسترت بحريمي ؛ لكدت أن أكون كشهيد الدار - يعني : عثمان رضي اللّه عنه » . فأحسن الصبر على ذلك كله ، ثم صدف عن القضاء ، وأقبل على نشر العلم وبثه .
--> ( 1 ) كذا في " أزهار الرياض " . ( 2 ) في الأصل : ( ح ) . وهي كناية عن الإمام الحطاب .