محمد بن جعفر الكتاني
243
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
وكان له في الفقه نظر لا يجارى ، وأدرك في دقائق مشكلاته الشأو الذي لا يكاد يبارى . وكانت مجالسه العلمية نزهة الأفكار ، ولا يقع من أهل النجابة إلا عليها الاختيار ، تصدى للتدريس في فاس وغيرها من حواضر المغرب وبواديه ، وأسدى من وافر تحقيقه على الطالبين ففازوا بسابغ أياديه . قرأ - رحمه اللّه - على جماعة من الشيوخ ؛ كسيدي محمد بن عبد القادر الفاسي ، وأبي علي اليوسي ؛ أخذ عنه ورد الطريقة الناصرية ، وأبي عبد اللّه المسناوي ، وأبي العباس ابن الحاج ، وأبي عبد اللّه محمد العربي بردلة ، وأبي عبد اللّه القسمطيني . . . وغيرهم . وأخذ عنه هو جماعة ؛ كالقاضي أبي القاسم العميري ؛ لازمه مدة إقامته بمكناسة الزيتون حين قلد الفتوى بها ، إلى أن انتقل عنها باستقضائه بفاس ، وكالشيخ أبي عبد اللّه محمد التاودي ابن سودة المري ؛ قرأ عليه " المختصر " ، من البيوع إلى الوديعة والعارية ، وسمع عليه بعض التفسير ، من أوله إلى سورة النساء ، وتولى - رحمه اللّه - قضاء الجماعة بفاسين : الإدريسية والمرينية ، مع الإمامة والخطابة بالقرويين . ثم أخر عن قضاء فاس - خاصة - ثم عن قضاء فاس الجديد ، لغير ريبة في ذلك . ثم بعد مدة ؛ ولي القضاء والإمامة والخطابة بزاوية زرهون ، إلى أن توفي . وله فتاوى لو جمعت لأفادت ولاة الأحكام ، وغاظت « 1 » متعصبة الحكام . وترجمته - رحمه اللّه - واسعة . توفي - على ما في فهرسة القاضي العميري ، و " الروضة المقصودة " - في الزاوية الزرهونية الإدريسية . قال في " الروضة " : « خامس عشر جمادى الثانية ، سنة ست وأربعين ومائة وألف » . ه . ورأيت في " النشر " - على ما في بعض نسخه - في خاتمة الجزء الثاني ، فيمن لم يطلع له على وفاة وهو من أهل القرن الثاني بعد الألف ما نصه : « ومنهم : الفقيه العلامة ، المدرس المفتي النوازلي ، قاضي طنجة ومفتيها ، ومدرسها وإمامها وخطيبها ؛ أبو العباس أحمد الشدادي الحسني ، من بني شداد المستوطنين بلاد الهبط من عمل طنجة . ونقل عم والدنا محمد العربي القادري الحسني كلام ابن عرضون على نسبهم ؛ فراجعه » . « استوطن صاحب الترجمة مدينة فاس ، فنزل بدرب المريح ( كذا ) من حومة الدوح ، وولي قضاء طنجة ؛ فكان يتردد إليها ، وله شرح على لامية الزقاق ، وتقييد على ابن عاصم ، وتقييد على عمليات سيدي عبد الرحمن الفاسي . فمن تلك الأبحاث استفاد أهل عصرنا ، وشرحوا الأنظام التي ذكرنا ، فهو بسبق حائز تفضيلا . وكان يدرس مختصر خليل ، وفروع مذهب مالك : " التحفة " و " اللامية " ، و " العمليات " . . . وأجوبته في فتواه حسنة جدا ؛ يحسن القياس والبحث . وتوفي بفاس ، ودفن بخارج باب المحروق بين المدينتين ، وبنى [ 197 ] أهله عليه قبة ، وبلغنا أن له عقبا بطنجة » .
--> ( 1 ) في الأصل : وغاضت ، والأصح ما أثبتناه .