محمد بن جعفر الكتاني
198
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
وكان حال جزارته يتورع في البيع والشراء ؛ فلا يشتري الغنم إلا من قوم عرف طيب مكسبهم ، ولا يبيع إلا من قوم بأعيانهم ؛ يقطع لكل واحد منهم قدر ما يكفيه . وكان إذا صلّى الصبح ؛ أقام في المسجد إلى أن يصلي الضحى ، ويتعالى النهار ؛ فيخرج إلى دكانه بالسوق وقد ذبح تلامذته الغنم وأعدوها للبيع ، فيختطفها المبتاعون ، فيذهب ويغتسل ، ويتوضأ ، ويدخل المسجد ، فلا يزال متنفلا إلى أن يصلي الظهر ، ثم لا يزال متنفلا إلى أن يصلي العصر ، ثم يجلس إلى حلق الذكر والفقه إلى أن يصلي المغرب ، ثم لا يزال متنفلا إلى أن يصلي العشاء الآخرة ؛ فينصرف إلى أهله ، فيقوم إلى ورده بالليل . فأقام على ذلك اثني عشر عاما . وكان إذا علمه أحد آية من القرآن أو مسألة من الدين ؛ أعطاه درهما . فسمع أن الصالحين بأغمات وريكة ؛ فنهض إليها ، وأقام بها سبعة أعوام متفرغا للعبادة ، ثم توجه إلى مكة ؛ فحج وجاور تسعة أعوام ، ثم نهض إلى مصر ؛ فكان يحضر مجلس أبي الفضل الجوهري في لفيف الناس ، لا يعرفه أحد . ثم انصرف إلى مدينة فاس ، ثم عاد إلى المشرق مرة ثانية ، فلما وصل مصر ؛ دخل جامع عمرو ابن العاصي وأبو الفضل يتكلم على الناس ، فلما رآه ؛ ناداه : « يا أبا جبل ! » . [ 162 ] فدنا منه ، فاعتنقه وأجلسه بإزائه ، فرأى رجلا قد سد باب المسجد بطوله وعرضه ، ودنا من أبي الفضل وساره في أذنه وانصرف . فقال له أبو الفضل : « أرأيته ؟ » . فقال أبو جبل : « نعم » ؛ ولم يره من الحاضرين في المسجد غيرهما . فقال له : « ذلك الخضر قال لي : أقرأ له مني السلام ، وبشره بأنه قد لحق بالأبدال . وذلك على رأس أربعين سنة من إقباله على اللّه » . قال أبو جبل : « فلما بشرني بذلك ؛ اشتقت إلى أهلي وبلدي ، واستأذنته في الرجوع إلى الوطن ، فأمرني بإقامة أيام ، ثم أذن لي في الرجوع » . ه . ولما عاد أبو جبل إلى فاس ودخلها ؛ اعتكف في زاوية في المسجد ، فلم يبرح منها حتى لقي اللّه عزّ وجل . وقحط الناس في بعض الأعوام ، فبعثوا إليه رجلا عسى أن يدعو لهم بالمطر ؛ فما رجع عنه الرجل حتى غيمت السماء ومطر الناس . وحكي عن ابن وعدون قال : « دخلت على أبي جبل عائدا له في بيت سكناه ، فقال لي : يا فلان ؛ بدخولك علي خرجت عني الملائكة ، إنك جنب ! . قال : وكنت على تلك الحالة التي ذكر الشيخ » . وترجمته - رحمه اللّه - واسعة ، ومناقبه كثيرة . توفي سنة ثلاث - وقيل : سنة اثنين ، وقيل : سنة إحدى - وخمسمائة . قال في " التشوف " : « وقبره بجبل العرض ؛ خارج مدينة فاس » . ه . وقال غيره : « دفن بجبل الزعفران ؛ قريبا من القلة ، والدعاء عند قبره مستجاب » .