محمد بن جعفر الكتاني

192

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

قال في " النيل : « وذكر بعضهم من كراماته : أن وزير فاس عزم على غرم الديار ورباع فاس كما فعل الوزير قبله ، فمشى إليه أبو الربيع المذكور مع الفقيه القباب ، فكلماه . فقال : أنا متبع فيه من قبلي . فقال له أبو الربيع : أتريد أن تكافى بما كوفي به من قبلك ؟ . فقال : لا يا سيدي ! . قال القباب : فخفت خوفا شديدا منه حتى كادت الأرض تبتلعني ، وحصل للوزير خوف أشد وأكثر مني ! » . ه . وهو أحد الفقهاء الخمسة الذين عمل السلطان أبو الحسن المريني طعاما ، ودعاهم إليه ، وكانوا كلهم أهل علم ودين . فمنهم : من شمر للأكل بكله ولم يتوقف . ومنهم : من استظهر بالصوم . ومنهم : من حمل خبزة وائتدم من إدام السلطان . ومنهم : من أكل وقلل . ومنهم : من امتنع من الأكل ؛ وقال : « أنا أحمل من طعام السلطان البركة » . فلما خرجوا ؛ سألهم عن ذلك الشيخ أبو عمران موسى ابن محمد بن معطي العبدوسي - على ما جزم به في " المعزى " . وقال الشيخ زروق في شرح " الإرشاد " : « أظن السائل : أبا إبراهيم الأعرج . فقال له الذي شمر للأكل - وهو : الإمام ابن عباد - طعام مستهلك ، ترتبت قيمته في ذمة مستهلكه ، وقد أمكنني منه عن طيب نفسه ؛ فبأي وجه أتركه ؟ . فقال له : صدقت » . « وقال الذي استظهر بالصوم : تركت الشبهة بكل وجه أمكنني . فقال له : بارك اللّه فيك » . « وقال الذي ائتدم بإدام السلطان : عملت على القول بإباحة الغلة [ 157 ] للغاصب » . « وقال الذي أكل وقلل : طعام مستهلك ، ترتبت فيه القيمة ، فكنت آكل وأقدر ، فلما خرجت ؛ أعطيت ذلك للمساكين ؛ لأن أربابه مجهولون » . « وقال الذي أخرج الطعام : إنه قال : جهلت أربابه ، فالمساكين أحق به ، فأخرجت لهم ما أمكنني خروجه ! » . « قال الشيخ زروق : وهذا أحرى بالصواب ؛ لجمعه بين الفقه والورع ، وما فعله الذي شمر للأكل بكله هو صريح الفقه ولبابه . قال : وبالجملة ؛ فالإنسان فقيه نفسه ، بعد التوقف في موقف الاشتباه ، ومن لم تكن له بصيرة ؛ فعليه بالتحفظ ما أمكن ! » . وكان أخذ صاحب الترجمة - رحمه اللّه - عن والده ، ولازمه كثيرا ، وكان والده يتعرف فيه مخايل النجابة ، ويقول : « سيكون لابني سليمان شأن » . وكان يحضر مجلس التفقه على الشيخ أبي العباس القباب ، وكان القباب يعظمه ويجله ، ويعرض عليه تواليفه وفتاويه ، ويأذن له في إصلاح ما يرى إصلاحه من ذلك . وأخذ - أيضا - عن الشيخ أبي عبد اللّه ابن حجاج ، والشيخ الخطيب أبي عبد اللّه اللوشي ، ولقي الشيخ القاضي شهاب الدين أبا العباس أحمد ابن ظهيرة وأجاز له إجازة عامة . . .