محمد بن جعفر الكتاني
178
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
وكان وليا صالحا زكيا ، ورعا زاهدا تقيا ، آمرا بالمعروف ، ناهيا عن المنكر المألوف . قال الشيخ سيدي أبو مدين الفاسي - رحمه اللّه تعالى - في كتابه " المحكم في الحكم " ما نصه : « حكي أن الشيخ أبا إبراهيم بن يحيى بن مطر الورياغلي - عرف بالأعرج ، رفيق أبي الحسن الصغير ، والدعاء عند قبره مستجاب كما قيل - كان إماما بجامع الشطة ، وكان يأمر الأمير يعقوب بن عبد الحق المريني بالمعروف ، وينهاه عن المنكر ؛ فأكثر عليه مرة ، فقال له الأمير : اخرج من بلدي ! . فلما خرج ؛ أصاب الأمير وجع شديد ، فأمر برده . فقال : لا أدخل حتى يخرج هو ، ولا أكون أنا وهو في بلد واحد ! . فخرج في الحين ، فسكن وجعه ، وأمر ببناء المدينة البيضاء - أعني : فاس الجديد - نفعنا اللّه ببركاته » . « قال في " روضة النسرين " : ركب - يعني : يعقوب - رحمه اللّه [ 144 ] فرسه من قصبة مدينة فاس القديمة في ضحى يوم الأحد الثالث لشوال من عام أربعة وسبعين وستمائة ، إلى ضفة وادي فاس ، ومعه أهل المعرفة بالهندسة والبناء ، فوقف عليها حتى حدت ، وشرع في حفر أساسها ، وكان الذي أخذ له طالعها : الفقيه المعدل محمد ابن الحباك - زاد في " القرطاس " : وأبو الحسن بن القطان - فكان تأسيسها في طالع سعيد ، ووقت مبارك ميمون ، ومن سعادة طالعها : أنه لم يمت بها خليفة منذ أسست ، ولا خرج منها لواء إلا نصر ، ولا جيش إلا ظفر بفضل اللّه تعالى » . انتهى كلامه في " المحكم " بلفظه . وحكايته المذكورة مع يعقوب ذكرها غير واحد ؛ كصاحب " الروض " ، وصاحب " تحفة الوارد والصادر " . وفي " المقصد الوريف والمنزع اللطيف في صلحاء الريف " - على ما في بعض نسخه - ما نصه : « ومنهم : الفقيه الأشهر ، السراج الأزهر ، العلامة الأظهر ؛ أبو إبراهيم إسحاق ابن مظهر ( كذا ) ؛ من قبيل بني ورياغل ، وهو أوحد زمانه في الفقه والسخاء ، وأحفظ خلق اللّه لأسباب الإخاء ، ما لان جانبه قط لسلطان ، ولا تعلق جاهه منه بأشطان ، ولا عدم منه ضعيف موالاة إشفاق ، ولا شاهد منه قوي وجه نفاق . وكان قليل المنة ، شديد المنة ، وقد قيل : إن التصوف منة ومنة ، ووقع بينه وبين معاصريه من فقهاء فاس منازعة في مسألة فقهية كان الصواب فيها قائده ، والإصابة رائده ؛ فتحزب طلبة البربر في ذلك فرقا ، ووجد الحاسدون بذلك سببا إلى الطعن عليه ، فاتصل الخبر بالسلطان - أي : وهو أبو يوسف يعقوب المذكور - أن الطلبة يريدون القيام بمدينة فاس ، فأمر بنفيه ونفي أمثاله من الفقهاء المنازعين له - أي : كالشيخ أبي يعقوب الحساني ، والشيخ أبي عبد اللّه ابن عمران - فأظهر اللّه البرهان فيمن باشر إخراجه من الحرس في الحال ؛ وكان الذي تولى كبره منهم يعرف بابن العطور ، فصار يأكل لحمه حتى مات » .