محمد بن جعفر الكتاني
179
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
« واتصل الخبر بالسلطان ؛ فأمر برده ، وأراد السلطان لقاءه ؛ فامتنع وقال : لا حاجة لك بي ؛ فإن الذي تريد لا أجيزه لك ، والذي أريد منك لا تفعله . وأقام ممتنعا منه مدة . ولما بنى الأمير أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق المدرسة بمدينة فاس وتم بناؤها ؛ أراد أن يراها ، فصلى في جامع القرويين يوم جمعة ، وهجم على الفقيه أبي إبراهيم بعد الصلاة في الجامع ؛ فلقيه وسلم عليه ، واستوهب منه الدعاء ، وسأله عن ثلاث مسائل ؛ فلم يجبه في واحدة منها . وقال له : إنما اجتمعنا هنا للمسالمة والمساعدة ، ما اجتمعنا للمساءلة والمناقشة ، وإني لأعلم أني إن أجبتك بشيء يخالف غرضك ؛ لن تفعله ! . فانصرف » . ه . قال المؤلف [ 145 ] : « ومن جميل آثاره ، وجزيل إيثاره ، وحسن مثاره : أنه كان اتفق لي ولوالدي أمر من أسر زوجة أبي وأختين لي صغيرتين ، واستقررن بمدينة مايورقة - أعادها اللّه تعالى - فتوجهنا لمحاولة فدائهن ، فعرفناه بالمسألة ، فتفجع كل التفجع ، وتناول مصحفا كان عنده يقرأ فيه ورده من القرآن ، فأخرج منه نصف دينار ، وقال : واللّه ما أملك غير هذا ؛ فدفعه إلينا . ومن الغد عاد إليه أبي ، فقال له : ارفع جنب ذلك المطرح - وهو : الذي كان قاعدا عليه - فرفعه أبي ؛ فقال له : خذ ذلك الشيء الذي تحته تستعين به في فداء أهلك ! . فأخذه أبي ، فقال له : عد ؛ فإني لا أدري ما هو ! . فوجد أبي فيه ستة وعشرين دينارا ذهبا . ثم قال : إنه لما عرفت مسألتكم ؛ نالني كرب عظيم . فقلت : اللهم افتح فيما نعينهم به ، فدخل علي شخص فساق ذلك الشيء ، فقلت له : ضعه تحت المطرح ، ففعل . ولم أدر ما هو ؟ . غير أني سررت سرورا عظيما . ثم دعا لنا ؛ فرأينا بركة دعائه ، ويسر اللّه تعالى في فدية الأهل ، وكان مالا جسيما ؛ فإنا قطعنا عليهم بمائتين وثلاثين دينارا ذهبا ، وجاء الفرج في أقرب وقت ، ووصل المأسورات إلى بلادنا في أول سنة المجاعة التالية لعام الجراد ، والجوع شديد ، والسعر في تزايد ، وبلغت صحفة القمح أربعة دنانير ذهبا ، ففضل لنا عن فديتهن قدر ما أكلنا إلى الصائفة ، وذلك كله ببركة الفقيه أبي إبراهيم رضي اللّه عنه ورحمه وأرضاه » . . . ه . وقال قبله في أوائل الكتاب ، أثناء كلامه على حياة الخضر ما نصه : « وقد سألت عنه الشيخ الفقيه الزاهد الورع أبا إبراهيم الأعرج ؛ واسمه : إسحاق بن مطهر ( كذا ) الورياغلي ؛ وهو شيخنا في " المدونة " ، وكان في آخر عمره لازم التصوف وأقبل عليه ، فقال لي : إن الخضر حي ! . وقلت له : قد وقع فيه الخلاف بين أهل الحديث . فقال : إنه حي ؛ يراه الصالحون ، وكل من فيه خصلة من خصاله يراه ، وقد رأيت من رآه في هذه الأيام . وكان سؤالي له سنة ثلاث وثمانين وستمائة . قلت له : ما معنى قولك : يراه كل من فيه خصلة من خصاله ؟ . فقال لي : أعني : الصدق والإخلاص ، واليقين والرضى ، وعلامة الولاية : رؤيته ! » . ه .