محمد بن جعفر الكتاني

163

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

كان - رحمه اللّه - إمام وقته من غير مدافع ، متضلعا بالفقه والنحو والأدب ، عارفا بالأصول والفروع ، مشاركا في الفنون ، محققا لجميعها ، مع طلاقة اللسان ، وحسن التعبير وسرعته ، وجودة الفهم والخط والشعر ، شاعرا مجيدا ؛ لا يقارعه أحد من أهل عصره . وكان صحيح الدين ، متين الورع ، مهيبا ، ذا سمت حسن ، وحال مستحسن ، وتؤدة وسكون . متقدما في صنعة الإنشاء وعقد الشروط والوثائق . وكان له مجلس خاص لا يحضره إلا أكابر العلماء ؛ كالزقّاق واليسّيتني . . وغيرهما . وجمع له بين الخطط الثلاثة : الفتيا والقضاء والتدريس . بقي في خطة القضاء بفاس نحوا من ثمان عشرة سنة ، ثم تخلى عنها إلى الفتوى بعد موت الشيخ ابن هارون ، وكان - قبل ذلك - يتعاطى الشهادة بسماط العدول ؛ أطلق يده عليها القاضي المكناسي حين زوجه والده وأعرس له ، وقال لوالده : « هذه هديتي لهذا العرس ! » . وكان - رحمه اللّه - عدلا في أحكامه ، جاريا في فتواه على الصواب ، وفتاويه كلها محررة منقحة ، وكان لا تأخذه في اللّه لومة لائم . أخذ العلم عن والده ، وعن ابن غازي ، وأبي زكرياء السوسي ، وأبي العباس الحبّاك ، وأبي الحسن ابن هارون . . . وغيرهم من أهل عصرهم . وممن أخذ عنه هو : أبو راشد اليدري ، وأبو زكرياء السراج ، وأبو زيد السلواني ، وأبو العباس [ 146 ] المنجور . . . وغيرهم . ومن تآليفه : نظم قواعد المذهب ؛ المسمى " بالنور المقتبس ، من قواعد مذهب مالك بن أنس " ؛ لخص فيه كتاب " إيضاح المسالك " لوالده ، وزاد عليه زيادات رائقة ، ومنها : شرحه على مختصر ابن الحاجب الفقهي في أربعة أسفار . وشرحه على " الرسالة " المطول العجيب ، ونظم " تلخيص " ابن البناء في الحساب ، وتعليق حسن على البخاري لم يكمل ، وله أزجال وموشحات . وكان رقيق الطبع ، يهتز عند سماع الألحان وآلات الطرب ؛ لاعتدال مزاجه ، وقوام طبعه . وكانت فيه قوة في الدين وصلابة . ومما يحكى عنه في ذلك : أنه خرج يوم عيد ليصلي بالناس صلاة العيد ؛ فانتظر السلطان أبا العباس أحمد المريني ، فلم يخرج إلى وقت الظهر ، فلما وصل السلطان ؛ نظر صاحب الترجمة إلى الوقت ؛ فرآه قد فات ، فرقي المنبر وقال : « يا معشر المسلمين ؛ عظم اللّه أجركم في صلاة العيد ، فقد صارت ظهرا ! » . ثم أمر المؤذن فأذن وأقام الصلاة ، وصلّى بالناس صلاة الظهر ، وانصرف ، ولم يراع السلطان ولا غيره ! .