محمد بن جعفر الكتاني
63
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
الدباغ - رضي اللّه عنه - ونصه : « ومما يدلك على كثرة المنقطعين وزيادة الظلام في ذواتهم : أنك [ 61 ] ترى الواحد يخرج من داره بعشرين موزونة مثلا ، ويذهب بها إلى ضريح ولي من أولياء اللّه تعالى فيطرحها عنده ليقضي له حاجته ، وكم من فقير محتاج يلقاه في الطريق ويطلب منه متاع اللّه في سبيل اللّه لوجه اللّه فلا يعطيه درهما واحدا حتى يبلغ للولي ، فيطرحها عند رأسه ، وهذا من أقبح ما يكون ، وسببه : أن الصدقة لم تخرج للّه عزّ وجل وعظمته وكبريائه ووجهه الكريم ، ووجوده العظيم ، إذ لو خرجت لذلك لرفعها صاحبها لكل محتاج لقيه ، لكن لما كان الحامل عليها والداعي إلى إخراجها : هو قصد النفع لنفسه ، واستكمال أغراضه وحظوظه ؛ خص بها موضعا دون موضع ؛ لظنه أن النفع يتبع ذلك الموضع وجودا وعدما » . قال : « قال رضي اللّه عنه : وقد رأيت في هذا اليوم ما أهدي للصالحين من باب تلمسان إلى الساقية الحمراء ، فإذا هو من الدنانير : ثمانون دينارا ، ومن الغنم : ثلاثمائة وستون شاة ؛ ومن البقر : اثنان وسبعون ثورا ، أخرج هذا كله في يوم واحد للصالحين ، وما أخرج للّه تعالى في ذلك اليوم عشرة دراهم ، وهذا سبب من الأسباب الموجبة للانقطاع عن اللّه عزّ وجل ، الطارئة على هذه الأمة من غير شعور لأكثرهم بها ، وهي منحصرة في ثلاثمائة وستة وستين سببا كلها موجبة لانقطاع العبد عن ربه عزّ وجل . . . » . [ حكم إقامة المواسم للصالحين ] : الرابع : جرت العادة في كثير من الأقطار والأمصار بعمل المواسم للأولياء والصالحين الأبرار ، والغالب : عدم سلامتها من حضور النساء والشبان ، ومن لا يخاف الباري تعالى من أهل الزيغ والعدوان ؛ فتشتمل بسبب ذلك على عدة من المنكرات ، وأمور شنيعة من المحرمات ، ومع ذلك ، والعلم الضروري بما يحدث هنالك ؛ يتحدث الناس عن كثير من أهل الخير والصلاح ، أنه يحضرها النبي صلّى اللّه عليه وسلم أو غيره ممن يرجى بحضوره النجاح والفلاح ، وتجد الكثير يسأل عن حكم هذه المواسم ، وعن صحة هذا الذي يذكره فيها أهل هذه المراسم ؟ ! . والجواب : إن حكم اتخاذها في الجملة ، ومن حيث ذاتها : هو الإباحة ؛ إذ هي الأصل في الأشياء حتى يرد ما يعارضها أو يخالفها ، ولكنها - كما ذكر في السؤال - غلبت فيها المنكرات العظيمة ، والأمور الشنيعة ، وحيث كانت كذلك ؛ فيجب على من له قدرة أن يجرد فيها سوط الأدب وعصا الشريعة ؛ فيزجر من يستحق الزجر ، ويؤدب من يستحق الأدب ، حتى تكون سالمة من كل ما لا يرضي اللّه ورسوله وسائر المؤمنين ، وإلا خيف [ 62 ] على الجميع الهلاك والخسران دنيا وأخرى .